في بلد أنهكته الحرب، وتعب أهله من الانتظار، تبدو المفارقة مؤلمة حين تجد بعض القيادات التي يُفترض أن تكون قريبة من الناس تعيش بعيدًا عن واقعهم، ثم تطلب منهم أن يفهموا قراراتها ومواقفها كما هي، دون أن تسأل نفسها: هل نحن نرى ما يراه الناس؟
القيادة الحقيقية لا تخاف من الرأي المختلف، ولا تبحث عن المصفقين، ولا تعتبر النقد خيانة. القيادة التي تثق بنفسها تقترب من الناس، وتسمع أصواتهم، وتنزل إلى واقعهم، وتراجع أخطاءها قبل أن تطلب من الآخرين الدفاع عنها.
الوطن لا يُدار من مسافة، والناس لا يصبحون مقتنعين لمجرد أن أحدًا طلب منهم أن يقتنعوا.
هنا سيبقى السؤال الأهم: هل تريد القيادات أن تسمع صوت الناس كما هو، أم تريد فقط أن تسمع صوت الآخرين يتردد على ألسنة الناس؟
المشكلة ليست في أن تكون القيادة خارج البلد لظرفٍ ما، فالمشكلة الحقيقية تبدأ عندما يصبح البعد عن الناس بُعدًا عن معاناتهم، وعندما تُدار قضايا الداخل من بُعد، خلف المكاتب، بينما المواطن هو من يدفع ثمن القرارات، ويواجه الغلاء والخوف وانقطاع الخدمات وضياع الفرص.
والأصعب من ذلك أن بعض من يتصدرون المشهد يريدون من الإعلامي أن يقول ما يوافق رؤيتهم، ومن المواطن أن يردد خطابهم، ومن المختلف أن يصمت، وكأن وظيفة الناس ليست أن تسأل وتنتقد وتختلف، وإنما أن تمنح الشرعية لكل ما يصدر من بعيد.
لكن الناس اليوم أكثر وعيًا مما يظن البعض. المواطن الذي يعيش تفاصيل الأزمة لا يحتاج إلى من يشرح له معاناته من الخارج، ولا يحتاج إلى خطب طويلة عن الوطن، وهو يرى وطنه يتعب أمام عينيه.
لقد طال زمن الكلام، وحان وقت أن يكون للواقع صوته.
فمن يريد أن يحكم بلدًا، عليه أولًا أن ينزل ويسمع أهله، ومن يريد أن يتحدث باسم الناس، عليه أن يعرف ماذا يريد الناس، لا أن يطلب منهم فقط أن يريدوا ما تريده القيادة.
فليس كل من خالفك عدوًا، وليس كل من وافقك حكيمًا.
أحيانًا يكون أجمل ما يمكن أن تقدمه القيادة لمن حولها هو أن تقول لهم: هذا رأيي، وقد أتفق معكم وقد أختلف، لكنني لن أستعير قناعتكم لأبدو متفقًا معكم.
فالناس قد يريدون سماع رأيك يخرج من فمك، دون إيزاع الآخرين، لكن صاحب الموقف الحقيقي يعرف أن قيمة صوته تبدأ عندما يقول ما يؤمن به، لا ما يريد الآخرون سماعه بحسب أهوائهم.















