هل القبيلة في اليمن كيان اجتماعي منفصل عن بقية الشعب، حتى نتعامل معها باعتبارها طرفًا له دور سياسي واجتماعي مختلف عن سائر مكونات المجتمع؟ ولماذا نمنحها هذه الخصوصية في الوقت الذي يعيش فيه أبناؤها بيننا، ويتعلمون في المدارس والجامعات نفسها، ويعملون في مؤسسات الدولة، وينخرطون في الأحزاب والتنظيمات السياسية، ويشاركون في مختلف مناشط الحياة العامة، بل ويقاتلون اليوم في صفوف أطراف الصراع المتعددة؟.

إن القبيلة ليست خارج المجتمع اليمني، وأبناؤها ليسوا مواطنين من درجة مختلفة عن الآخرين. ومن الطبيعي أن تكون لهم حقوقهم وواجباتهم، وأن يمارسوا حياتهم العامة من خلال مؤسسات الدولة وأطرها الدستورية والقانونية، شأنهم شأن بقية المواطنين.

لسنا ضد القبيلة بوصفها رابطة اجتماعية وتاريخية، ولا ضد أعرافها وتقاليدها الإيجابية التي أسهمت في حل كثير من النزاعات وتعزيز التكافل الاجتماعي. لكننا نتحفظ على تحويلها إلى سلطة موازية للدولة، أو التعامل معها باعتبارها مرجعية مستقلة في إدارة الشأن العام، بما قد يجعل العرف فوق القانون، والانتماء القبلي مدخلاً للنفوذ والامتياز.

ومن هنا، فإن ميثاق الشرف الذي جرى التوقيع عليه في جنيف تحت مسمى ميثاق الشرف القبلي، كان الأجدر أن تتسع فكرته لتشمل القوى السياسية والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والشخصيات العامة، وكل الأطراف المنخرطة في الصراع اليمني. فهذه الأطراف هي التي تستدعي القبيلة وتستثمر مكانتها الاجتماعية ونفوذها، وتوظف رجالها وإمكاناتها في معاركها السياسية والعسكرية سعياً لتحقيق مصالحها.

إن مسؤولية ضبط الحياة العامة واحترام كرامة الإنسان وحماية حقوقه لا تقع على القبيلة وحدها، وإنما هي مسؤولية وطنية مشتركة، تبدأ من القوى التي تتنافس على السلطة وتدير الصراع، وتلتزم بالاحتكام إلى القانون ونبذ العنف واحترام المواطنة المتساوية.

ما نحتاجه ليس تكريس الأدوار السياسية المستقلة للقبائل، وإنما بناء دولة تستوعب الجميع، وتتيح لكل مواطن المشاركة في الحياة العامة بصفته مواطناً، لا باعتباره تابعاً لقبيلة أو حزب أو جماعة. فحين تصبح المواطنة هي أساس الحقوق والواجبات، لن نحتاج إلى استدعاء القبيلة كلما أردنا معالجة خلاف أو تنظيم علاقة بين أطراف المجتمع.