في اليمن، حيث أثقلت الحرب كاهل الأسر، وأصبح بعض الأطفال يكبرون قبل أوانهم، قرأت عن طفلة في الثانية عشرة من عمرها تُدعى رتاج، تحمل على كتفيها الصغيرتين مسؤوليات منزلية أكبر من سنوات عمرها. وبين واجبات البيت ومتطلبات الحياة، أخذت المسافة تتسع بينها وبين المدرسة، وكأن أحلامها الصغيرة كانت تنسحب بصمت أمام مسؤوليات لم تخترها.
لكن امرأة تُدعى سمرة، تعمل في المجال الاجتماعي بمديرية الخوخة في الحديدة، أدركت أن غياب طفلة عن المدرسة ليس مجرد مقعد فارغ في فصل دراسي، بل قد يكون مستقبلًا كاملًا يفقد فرصته في النمو. لم تتعامل مع رتاج بوصفها رقمًا في سجلات التعليم، بل طفلة لها عقل يستحق المعرفة، وقلب يستحق التشجيع، وروح يستحق التحليق، وحلم يستحق الحماية.
تواصلت سمرة مع أسرتها، وساعدتها على إعادة تنظيم المسؤوليات المنزلية حتى تجد رتاج وقتًا للتعلم. ومع الدعم والتشجيع، بدأت الطفلة تستعيد انتظامها وثقتها بنفسها، وعاد حلمها بأن تصبح طبيبة أسنان يطل من جديد على مستقبلها.
توقفت طويلًا أمام هذه القصة، وتساءلت: كم من رتاج في بيوت اليمن؟ كم من فتاة تستيقظ باكرًا لتخدم الجميع، ثم تنام متعبة قبل أن تفتح كتابها؟ وكم من عقل موهوب لم تُتح له فرصة أن يكتشف قدراته، لأن المجتمع اعتاد أن يرى في تعليم الفتاة أمرًا يمكن تأجيله، بينما يرى في مسؤولياتها المنزلية واجبًا لا يحتمل الانتظار؟
إن تعليم الفتاة ليس مكافأة نقدمها لها إذا انتهت من أعمال البيت، ولا امتيازًا نمنحه لها حين تسمح الظروف، بل حق أصيل من حقوقها الإنسانية. فالفتاة لم تُخلق لتكون يدًا تعمل فحسب، بل عقلًا يفكر، وروحًا ترتقي، وإنسانةً تمتلك القدرة على التعلم والإبداع والمشاركة في بناء مجتمعها.
إن التربية والتعليم هما أساس رقي الإنسان وتقدم المجتمع؛ إننا نعلم جيدًا أهمية تعليم الفتيات لما لهن من دور محوري في تنشئة الأجيال القادمة. وليس معنى ذلك أن قيمة المرأة محصورة في الأمومة، بل إن تعليمها حق لها في ذاتها، كما أن أثره يمتد إلى الأسرة والمجتمع بأكمله. فحين تتعلم الفتاة، تتسع قدرتها على الاختيار، ويقوى صوتها في اتخاذ القرار، وتصبح أكثر استعدادًا للمشاركة في خدمة الإنسانية، سواء أصبحت أمًّا أو معلمة أو طبيبة أو باحثة أو قائدة في مجتمعها.
ولعل من أعمق ما نتعلمه من قصة سمرة أن تثقيف الفتيات لا يبدأ من المدرسة وحدها، بل يبدأ من نظرة الأسرة إليهن. فالبيت الذي يعلّم أبناءه الذكور أن أخواتهم شريكات في الحقوق والمسؤوليات، لا خادمات لراحتهم، يضع حجر الأساس لمجتمع أكثر عدلًا. والأم التي تشجع ابنتها على السؤال والتفكير والتعلم، والأب الذي يحمي وقت ابنته الدراسي كما يحمي وقت ابنه، كلاهما يشارك في بناء مستقبل أكثر إنصافًا.
أما المرأة المتعلمة، فإن رسالتها لا تنتهي عند حصولها على شهادة؛ فقد تصبح نورًا لنساء أخريات، تمد يدها إلى فتاة كادت تنقطع عن الدراسة، أو تشجع أمًّا على تعليم بناتها، أو تساعد أسرة على إدراك أن توزيع مسؤوليات البيت بعدل ليس انتقاصًا من أحد، بل تربية للجميع على التعاون والاحترام.
وهنا تتجلى عظمة ما فعلته سمرة. لم تحتج إلى منصب رفيع أو إمكانات هائلة لتصنع فرقًا؛ احتاجت إلى وعيٍ يرى ما وراء غياب طفلة عن المدرسة، وإلى قلبٍ يؤمن بأن تغيير مستقبل الإنسان قد يبدأ بحوار هادئ مع أسرته.
لكن علينا ألّا نجعل من المبادرات الفردية بديلًا عن مسؤولية المجتمع ومؤسساته. فكل فتاة تحتاج إلى مدرسة آمنة، ومعلمين مؤهلين، وأسرة مساندة، وفرص متكافئة مع إخوتها الذكور. إننا لا نستطيع الحديث عن نهضة اليمن بينما تُترك بعض بناته خارج أبواب التعليم، ولا يمكن أن نبني سلامًا مستدامًا إذا نشأ نصف المجتمع وهو يشعر أن أحلامه أقل أهمية من أحلام النصف الآخر.
فالسلام لا يعني فقط أن يتوقف القتال، بل أن تتوقف أيضًا أشكال الظلم الصغيرة التي نمارسها دون أن نشعر؛ أن لا تُحرم فتاة من التعليم لأنها أنثى، وأن لا يُربّى صبي على أن خدمته حق مكتسب، وأن لا يصبح صمت البنات علامةً على حسن التربية، بينما تُعدّ أسئلتهن جرأةً غير مرغوبة.
إن التربية الحقيقية لا تُعلّم الفتاة الطاعة العمياء، بل الحكمة والمسؤولية وكرامة النفس، ولا تُعلّم الفتى التفوق على أخته، بل احترامها والتعاون معها. فالمجتمع الذي يتعلم أبناؤه وبناته المساواة منذ الطفولة، يكون أقدر على بناء علاقات قائمة على العدل والتفاهم والسلام.
لقد أعادت سمرة إلى رتاج شيئًا لا يُشترى بالمال: الإيمان بأن حلمها يستحق أن يعيش. وربما تصبح رتاج يومًا طبيبة أسنان، وربما تختار طريقًا آخر، لكن الأهم أنها حصلت على فرصة لتكتشف بنفسها ما تستطيع أن تكونه.
وكم سيكون جميلًا لو أصبحت قصة هذه الطفلة دعوةً لكل أسرة يمنية أن تسأل نفسها: هل نمنح بناتنا الوقت نفسه الذي نمنحه لأبنائنا كي يتعلموا؟ هل نستمع إلى أحلامهن كما نستمع إلى أحلام إخوتهم؟ وهل نربي أطفالنا جميعًا على أن خدمة الأسرة مسؤولية مشتركة، وليست قدرًا مفروضًا على البنات؟.
ودمتم سالمين.
لكن امرأة تُدعى سمرة، تعمل في المجال الاجتماعي بمديرية الخوخة في الحديدة، أدركت أن غياب طفلة عن المدرسة ليس مجرد مقعد فارغ في فصل دراسي، بل قد يكون مستقبلًا كاملًا يفقد فرصته في النمو. لم تتعامل مع رتاج بوصفها رقمًا في سجلات التعليم، بل طفلة لها عقل يستحق المعرفة، وقلب يستحق التشجيع، وروح يستحق التحليق، وحلم يستحق الحماية.
تواصلت سمرة مع أسرتها، وساعدتها على إعادة تنظيم المسؤوليات المنزلية حتى تجد رتاج وقتًا للتعلم. ومع الدعم والتشجيع، بدأت الطفلة تستعيد انتظامها وثقتها بنفسها، وعاد حلمها بأن تصبح طبيبة أسنان يطل من جديد على مستقبلها.
توقفت طويلًا أمام هذه القصة، وتساءلت: كم من رتاج في بيوت اليمن؟ كم من فتاة تستيقظ باكرًا لتخدم الجميع، ثم تنام متعبة قبل أن تفتح كتابها؟ وكم من عقل موهوب لم تُتح له فرصة أن يكتشف قدراته، لأن المجتمع اعتاد أن يرى في تعليم الفتاة أمرًا يمكن تأجيله، بينما يرى في مسؤولياتها المنزلية واجبًا لا يحتمل الانتظار؟
إن تعليم الفتاة ليس مكافأة نقدمها لها إذا انتهت من أعمال البيت، ولا امتيازًا نمنحه لها حين تسمح الظروف، بل حق أصيل من حقوقها الإنسانية. فالفتاة لم تُخلق لتكون يدًا تعمل فحسب، بل عقلًا يفكر، وروحًا ترتقي، وإنسانةً تمتلك القدرة على التعلم والإبداع والمشاركة في بناء مجتمعها.
إن التربية والتعليم هما أساس رقي الإنسان وتقدم المجتمع؛ إننا نعلم جيدًا أهمية تعليم الفتيات لما لهن من دور محوري في تنشئة الأجيال القادمة. وليس معنى ذلك أن قيمة المرأة محصورة في الأمومة، بل إن تعليمها حق لها في ذاتها، كما أن أثره يمتد إلى الأسرة والمجتمع بأكمله. فحين تتعلم الفتاة، تتسع قدرتها على الاختيار، ويقوى صوتها في اتخاذ القرار، وتصبح أكثر استعدادًا للمشاركة في خدمة الإنسانية، سواء أصبحت أمًّا أو معلمة أو طبيبة أو باحثة أو قائدة في مجتمعها.
ولعل من أعمق ما نتعلمه من قصة سمرة أن تثقيف الفتيات لا يبدأ من المدرسة وحدها، بل يبدأ من نظرة الأسرة إليهن. فالبيت الذي يعلّم أبناءه الذكور أن أخواتهم شريكات في الحقوق والمسؤوليات، لا خادمات لراحتهم، يضع حجر الأساس لمجتمع أكثر عدلًا. والأم التي تشجع ابنتها على السؤال والتفكير والتعلم، والأب الذي يحمي وقت ابنته الدراسي كما يحمي وقت ابنه، كلاهما يشارك في بناء مستقبل أكثر إنصافًا.
أما المرأة المتعلمة، فإن رسالتها لا تنتهي عند حصولها على شهادة؛ فقد تصبح نورًا لنساء أخريات، تمد يدها إلى فتاة كادت تنقطع عن الدراسة، أو تشجع أمًّا على تعليم بناتها، أو تساعد أسرة على إدراك أن توزيع مسؤوليات البيت بعدل ليس انتقاصًا من أحد، بل تربية للجميع على التعاون والاحترام.
وهنا تتجلى عظمة ما فعلته سمرة. لم تحتج إلى منصب رفيع أو إمكانات هائلة لتصنع فرقًا؛ احتاجت إلى وعيٍ يرى ما وراء غياب طفلة عن المدرسة، وإلى قلبٍ يؤمن بأن تغيير مستقبل الإنسان قد يبدأ بحوار هادئ مع أسرته.
لكن علينا ألّا نجعل من المبادرات الفردية بديلًا عن مسؤولية المجتمع ومؤسساته. فكل فتاة تحتاج إلى مدرسة آمنة، ومعلمين مؤهلين، وأسرة مساندة، وفرص متكافئة مع إخوتها الذكور. إننا لا نستطيع الحديث عن نهضة اليمن بينما تُترك بعض بناته خارج أبواب التعليم، ولا يمكن أن نبني سلامًا مستدامًا إذا نشأ نصف المجتمع وهو يشعر أن أحلامه أقل أهمية من أحلام النصف الآخر.
فالسلام لا يعني فقط أن يتوقف القتال، بل أن تتوقف أيضًا أشكال الظلم الصغيرة التي نمارسها دون أن نشعر؛ أن لا تُحرم فتاة من التعليم لأنها أنثى، وأن لا يُربّى صبي على أن خدمته حق مكتسب، وأن لا يصبح صمت البنات علامةً على حسن التربية، بينما تُعدّ أسئلتهن جرأةً غير مرغوبة.
إن التربية الحقيقية لا تُعلّم الفتاة الطاعة العمياء، بل الحكمة والمسؤولية وكرامة النفس، ولا تُعلّم الفتى التفوق على أخته، بل احترامها والتعاون معها. فالمجتمع الذي يتعلم أبناؤه وبناته المساواة منذ الطفولة، يكون أقدر على بناء علاقات قائمة على العدل والتفاهم والسلام.
لقد أعادت سمرة إلى رتاج شيئًا لا يُشترى بالمال: الإيمان بأن حلمها يستحق أن يعيش. وربما تصبح رتاج يومًا طبيبة أسنان، وربما تختار طريقًا آخر، لكن الأهم أنها حصلت على فرصة لتكتشف بنفسها ما تستطيع أن تكونه.
وكم سيكون جميلًا لو أصبحت قصة هذه الطفلة دعوةً لكل أسرة يمنية أن تسأل نفسها: هل نمنح بناتنا الوقت نفسه الذي نمنحه لأبنائنا كي يتعلموا؟ هل نستمع إلى أحلامهن كما نستمع إلى أحلام إخوتهم؟ وهل نربي أطفالنا جميعًا على أن خدمة الأسرة مسؤولية مشتركة، وليست قدرًا مفروضًا على البنات؟.
ودمتم سالمين.
















