حين يتردد جار في قبول مساعدة جاره، ويتبادل الموظف والمراجع الشك في النيات، ويقرأ مواطن وعدًا عامًا باعتباره مقدمة لخيبة جديدة، فإن الأزمة لم تعد محصورة في السياسة أو الاقتصاد. لقد وصلت إلى ما هو أعمق: الثقة، ذلك الخيط غير المرئي الذي يربط الناس بعضهم ببعض، ويجعل الحياة المشتركة ممكنة.
في اليمن، لم تُخلّف سنوات الصراع خسائر مادية فحسب، بل تركت آثارًا في العلاقات الاجتماعية وفي شعور الناس بالأمان تجاه بعضهم. وربما كان من أخطر ما تفعله الأزمات الطويلة أنها تجعل الشك قاعدة، وحسن الظن استثناءً؛ فتسبق الأحكام المسبقة معرفة الإنسان، ويصبح الانتماء أحيانًا أهم من السلوك، والاختلاف مدعاة للريبة بدلًا من أن يكون فرصة للفهم.
ليست الثقة فضيلة شخصية وحسب، بل هي بنية تحتية اجتماعية لا تقل أهمية عن الطرق والجسور. بها يطمئن التاجر إلى شريكه، ويشعر المواطن بأن القانون يحميه، وتستطيع الأسرة أن تراهن على مستقبل أبنائها. وحين تتآكل، ترتفع تكلفة كل شيء: يحتاج التعامل البسيط إلى ضمانات إضافية، ويُستقبل الكلام الصادق بالشك، ويستهلك الناس طاقتهم في الحذر بدلًا من التعاون والإنتاج.
ومع ذلك، سيكون من السهل، ومن الظلم أيضًا، أن نطلب من الناس أن يثقوا ببعضهم لمجرد أن الثقة قيمة جميلة. فمن تعرّض للخذلان أو التمييز لا يستعيد اطمئنانه بموعظة عن التسامح. الثقة لا تُفرض، ولا تولد من الشعارات؛ إنها تنمو عندما تتطابق الأقوال مع الأفعال، وتكون القواعد واضحة، ويُحاسَب المخطئ بصرف النظر عن موقعه أو انتمائه.
هنا تظهر صلة الثقة بالعدالة. فما الذي يدفع إنسانًا إلى الاطمئنان لمؤسسة إذا كان يعتقد أن حقوقه تتوقف على علاقاته؟ وكيف نطلب من المختلفين التعاون إن شعر بعضهم أن صوته لا يُسمع أصلًا؟ لا يكفي أن ندعو إلى الوحدة بينما تغيب فرص المشاركة المنصفة. فالناس لا يشعرون بالانتماء الحقيقي لأنهم يُطلب منهم ذلك، بل حين يختبرون أن كرامتهم وحقوقهم مصونة، وأن لهم مكانًا في صنع القرارات التي تؤثر في حياتهم.
وللغة التي نتداولها دور لا يقل خطورة. حين نختزل جماعة كاملة في خطأ فرد، أو نتناقل خبرًا لم نتحقق منه لأنه يؤكد مخاوفنا، فإننا نضيف حجرًا جديدًا إلى جدار الشك. ليست الحرية في أن نقول كل ما نشاء دون مسؤولية، ولا السلام في أن نصمت عن الخطأ؛ بل في أن نتعلم التفريق بين نقد الفعل وإدانة الهوية، وبين السؤال المشروع والاتهام المجاني. وهنا تقع على الأسرة والمدرسة والإعلام مسؤولية تنمية القدرة على التثبت والحوار، لأن مجتمعًا يفقد ثقته بالكلمة يفقد تدريجيًا قدرته على الاتفاق حتى على الوقائع.
لكن بناء الثقة لا ينبغي أن ينتظر اكتمال إصلاح المنظومة. يمكن أن يبدأ من مدرسة تُنصف طلابها، ومن مجلس محلي يصغي إلى الأهالي، ومن مبادرة مشتركة لإصلاح مورد ماء أو تنظيف شارع أو مساعدة بعض النازحين، حيث يعمل أشخاص مختلفون على هدف يرون أثره بأعينهم. ففي التجارب الصغيرة يتعلم الناس شيئًا لا تمنحه الخطب: أن التعاون ممكن، وأن الاختلاف لا يلغي المصالح المشتركة، وأن الوفاء بالوعد ليس استثناءً.
ولا تعني استعادة الثقة أن نتخلى عن النقد أو أن نمنح الآخرين صكوك براءة. الثقة الناضجة تقوم على المساءلة والوضوح، لا على السذاجة. وهي تحتاج إلى مواطن يراجع أحكامه، ومؤسسة تقبل المحاسبة، ومسؤول يرى السلطة تكليفًا لا امتيازًا. بهذا وحده يمكن للثقة أن تنتقل من علاقة شخصية هشة إلى ثقافة عامة تسند المجتمع.
إن إعادة بناء اليمن لا تتعلق بما نعيد تشييده من مبانٍ ومرافق فحسب، بل بما نعيد ترميمه من علاقات. فقد يُفتح الطريق بين مدينتين، بينما تظل المسافة بين قلوب سكانهما شاسعة. والسؤال الذي يستحق أن يرافق كل حديث عن المستقبل هو: هل نكتفي بإصلاح ما دمرته الحرب من طرق، أم نعمل أيضًا على ترميم ما انكسر من ثقة؟.
في اليمن، لم تُخلّف سنوات الصراع خسائر مادية فحسب، بل تركت آثارًا في العلاقات الاجتماعية وفي شعور الناس بالأمان تجاه بعضهم. وربما كان من أخطر ما تفعله الأزمات الطويلة أنها تجعل الشك قاعدة، وحسن الظن استثناءً؛ فتسبق الأحكام المسبقة معرفة الإنسان، ويصبح الانتماء أحيانًا أهم من السلوك، والاختلاف مدعاة للريبة بدلًا من أن يكون فرصة للفهم.
ليست الثقة فضيلة شخصية وحسب، بل هي بنية تحتية اجتماعية لا تقل أهمية عن الطرق والجسور. بها يطمئن التاجر إلى شريكه، ويشعر المواطن بأن القانون يحميه، وتستطيع الأسرة أن تراهن على مستقبل أبنائها. وحين تتآكل، ترتفع تكلفة كل شيء: يحتاج التعامل البسيط إلى ضمانات إضافية، ويُستقبل الكلام الصادق بالشك، ويستهلك الناس طاقتهم في الحذر بدلًا من التعاون والإنتاج.
ومع ذلك، سيكون من السهل، ومن الظلم أيضًا، أن نطلب من الناس أن يثقوا ببعضهم لمجرد أن الثقة قيمة جميلة. فمن تعرّض للخذلان أو التمييز لا يستعيد اطمئنانه بموعظة عن التسامح. الثقة لا تُفرض، ولا تولد من الشعارات؛ إنها تنمو عندما تتطابق الأقوال مع الأفعال، وتكون القواعد واضحة، ويُحاسَب المخطئ بصرف النظر عن موقعه أو انتمائه.
هنا تظهر صلة الثقة بالعدالة. فما الذي يدفع إنسانًا إلى الاطمئنان لمؤسسة إذا كان يعتقد أن حقوقه تتوقف على علاقاته؟ وكيف نطلب من المختلفين التعاون إن شعر بعضهم أن صوته لا يُسمع أصلًا؟ لا يكفي أن ندعو إلى الوحدة بينما تغيب فرص المشاركة المنصفة. فالناس لا يشعرون بالانتماء الحقيقي لأنهم يُطلب منهم ذلك، بل حين يختبرون أن كرامتهم وحقوقهم مصونة، وأن لهم مكانًا في صنع القرارات التي تؤثر في حياتهم.
وللغة التي نتداولها دور لا يقل خطورة. حين نختزل جماعة كاملة في خطأ فرد، أو نتناقل خبرًا لم نتحقق منه لأنه يؤكد مخاوفنا، فإننا نضيف حجرًا جديدًا إلى جدار الشك. ليست الحرية في أن نقول كل ما نشاء دون مسؤولية، ولا السلام في أن نصمت عن الخطأ؛ بل في أن نتعلم التفريق بين نقد الفعل وإدانة الهوية، وبين السؤال المشروع والاتهام المجاني. وهنا تقع على الأسرة والمدرسة والإعلام مسؤولية تنمية القدرة على التثبت والحوار، لأن مجتمعًا يفقد ثقته بالكلمة يفقد تدريجيًا قدرته على الاتفاق حتى على الوقائع.
لكن بناء الثقة لا ينبغي أن ينتظر اكتمال إصلاح المنظومة. يمكن أن يبدأ من مدرسة تُنصف طلابها، ومن مجلس محلي يصغي إلى الأهالي، ومن مبادرة مشتركة لإصلاح مورد ماء أو تنظيف شارع أو مساعدة بعض النازحين، حيث يعمل أشخاص مختلفون على هدف يرون أثره بأعينهم. ففي التجارب الصغيرة يتعلم الناس شيئًا لا تمنحه الخطب: أن التعاون ممكن، وأن الاختلاف لا يلغي المصالح المشتركة، وأن الوفاء بالوعد ليس استثناءً.
ولا تعني استعادة الثقة أن نتخلى عن النقد أو أن نمنح الآخرين صكوك براءة. الثقة الناضجة تقوم على المساءلة والوضوح، لا على السذاجة. وهي تحتاج إلى مواطن يراجع أحكامه، ومؤسسة تقبل المحاسبة، ومسؤول يرى السلطة تكليفًا لا امتيازًا. بهذا وحده يمكن للثقة أن تنتقل من علاقة شخصية هشة إلى ثقافة عامة تسند المجتمع.
إن إعادة بناء اليمن لا تتعلق بما نعيد تشييده من مبانٍ ومرافق فحسب، بل بما نعيد ترميمه من علاقات. فقد يُفتح الطريق بين مدينتين، بينما تظل المسافة بين قلوب سكانهما شاسعة. والسؤال الذي يستحق أن يرافق كل حديث عن المستقبل هو: هل نكتفي بإصلاح ما دمرته الحرب من طرق، أم نعمل أيضًا على ترميم ما انكسر من ثقة؟.
















