> لندن "الأيام" العرب اللندنية:

​​تكشف الحرب الأميركية الإيرانية عن تباين متزايد في مقاربتَي واشنطن وبكين لإدارة النفوذ في الشرق الأوسط، فبينما اعتمدت الولايات المتحدة على الحشد العسكري والضغط الاستراتيجي، تحاول الصين توسيع حضورها عبر الدبلوماسية وشبكة المصالح الاقتصادية التي تربطها بأطراف الصراع. 

ويمنح التحرك الصيني الجديد بين إيران والسعودية بكين فرصة لاختبار قدرتها على بناء تفاهمات تخفف التوتر وتعيد الحد الأدنى من الثقة، من دون أن يعني ذلك قدرتها على إنهاء الخلافات الاستراتيجية.

وبين المقاربتين، تتجاوز المنافسة حدود النفوذ التقليدي إلى سؤال أكثر أهمية: أي الاستراتيجيتين تستطيع تجنيب المنطقة دورات التصعيد المتكررة؟

لا تتحرك الصين في الشرق الأوسط هذه المرة من بوابة الوساطة التقليدية وحدها، بل من موقع قوة اقتصادية تربطها مصالح متشعبة بأطراف الصراع، وهو ما يمنحها فرصة لتقديم نفسها طرفاً قادراً على التواصل مع الخصوم في وقت تتزايد فيه المخاوف من عودة المواجهة الأميركية الإيرانية. وفي هذا السياق، جاءت التحركات الدبلوماسية الصينية الأخيرة باتجاه طهران والرياض لتفتح احتمال بناء قناة اتصال جديدة، لا تستهدف بالضرورة تحقيق مصالحة استراتيجية بين البلدين، بقدر ما تسعى إلى منع انزلاق الخلافات إلى حرب أوسع.

وفي الثاني من نوفمبر، استضافت بكين لقاءين منفصلين لوزير الخارجية الصيني وانغ يي مع مسؤول الأمن القومي الإيراني علي باقري كني، ومستشار الأمن الوطني السعودي مساعد العيبان، داعية الطرفين إلى تغليب الحلول السياسية وإنهاء الأعمال القتالية وحماية أمن الطاقة والممرات البحرية.

وأعلنت الصين أن مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط سيزور إيران وسلطنة عمان والسعودية خلال نوفمبر لدفع الاتصالات وتخفيف التوتر. ولم يتضح ما إذا كان المسؤولان الإيراني والسعودي قد التقيا مباشرة في بكين، وهو ما يجعل الحديث عن وساطة ثلاثية مكتملة سابقاً لأوانه، لكنه يشير إلى تحرك صيني منظم لتهيئة قناة تفاوض بين الطرفين.

وتستند هذه المبادرة إلى شبكة مصالح يصعب تجاهلها. فالسعودية تمثل شريكاً اقتصادياً واستثمارياً مهماً للصين في الخليج، فيما تعد إيران شريكاً استراتيجياً ومصدراً مهماً للنفط، فضلاً عن موقعها الجغرافي وتأثيرها في أمن مضيق هرمز. وتمنح هذه العلاقات بكين قدرة على مخاطبة الطرفين بلغة المصالح المتبادلة، من دون أن تكون مضطرة إلى تبني كامل مواقف أحدهما على حساب الآخر.

ولا يعني ذلك أن الصين تملك نفوذاً حاسماً على القرار الإيراني أو السعودي، أو أنها تستطيع ضمان التزام الطرفين بأي تفاهمات محتملة. لكنها تملك ما يكفي من الروابط الاقتصادية والدبلوماسية لتكون قناة اتصال ذات مصداقية نسبية، خصوصاً إذا تمكنت من الجمع بين ضمان المصالح الأمنية السعودية، ومراعاة اعتبارات السيادة والأمن التي تتمسك بها طهران. وقد لا تقود هذه المقاربة إلى تسوية استراتيجية للخلافات العميقة بين البلدين، لكنها تستطيع أن تؤسس لتفاهمات محدودة، وتدابير لبناء الثقة، وآليات اتصال تمنع سوء التقدير وتحد من احتمالات التصعيد.

وتستعيد بكين بهذا التحرك تجربة مارس 2023، عندما رعت الاتفاق السعودي الإيراني الذي أعاد العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بعد سنوات من القطيعة. وقد أثبت ذلك الاتفاق أن المصالح الاقتصادية والسياسية المشتركة يمكن أن تفتح نافذة للتفاهم حتى في ظل استمرار الخلافات بشأن ملفات إقليمية متعددة. لكن الحرب الحالية كشفت أيضاً حدود المصالحة، إذ لم تؤد عودة العلاقات الدبلوماسية إلى إزالة التنافس أو بناء منظومة أمنية إقليمية مشتركة.

ومن هنا تبدو الوساطة الصينية الجديدة مختلفة في أهدافها المباشرة. فالمطلوب ليس إعادة إنتاج اتفاق 2023، وإنما منع انهيار ما تبقى من قنوات التواصل، واحتواء التوترات التي باتت تهدد أمن الخليج ومصالح الصين التجارية والطاقية. فاستمرار الحرب أو إغلاق مضيق هرمز لا يضر بالسعودية وإيران وحدهما، بل يهدد إمدادات الطاقة التي تعتمد عليها الاقتصادات الآسيوية، ويضع طرق التجارة البحرية أمام مخاطر متزايدة.

في المقابل، تكشف المقاربة الأميركية عن تصور مختلف لإدارة التوازنات الإقليمية. فمنذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير، اعتمدت واشنطن على القوة العسكرية والضغط الاقتصادي والعقوبات، بالتوازي مع محاولات تفاوض لم تنجح في تثبيت تسوية مستدامة. وأدى الحشد العسكري والعمليات المتقطعة والتهديد باستئناف الضربات إلى إبقاء المنطقة في حالة استنفار، مع تعرض منشآت وممرات بحرية ومصالح اقتصادية لمخاطر متزايدة. وتشير تقديرات مكتب الميزانية في الكونغرس إلى أن العمليات العسكرية الأميركية كلفت نحو 38 مليار دولار حتى الأول من أغسطس، وفق تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر.

ولا يعني ذلك أن واشنطن غابت عن المسار الدبلوماسي أو أن أدواتها تقتصر على القوة العسكرية، إذ شاركت قطر وباكستان في جهود الوساطة، كما شهدت الأشهر الماضية محاولات للتوصل إلى تفاهمات بين طهران وواشنطن. لكن المشكلة أن المسار السياسي ظل يتحرك تحت ضغط التهديد العسكري، فيما لم تستطع التفاهمات المؤقتة معالجة أسباب الصراع أو بناء ثقة تسمح بتحويل وقف إطلاق النار إلى تسوية مستقرة.

وتجد دول الخليج نفسها في قلب هذه المفارقة. فهي تعتمد على الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة، لكنها تتحمل في الوقت نفسه جانباً كبيراً من مخاطر أي مواجهة مباشرة مع إيران، سواء عبر استهداف المنشآت النفطية أو اضطراب الملاحة أو انتقال التوتر إلى ساحات إقليمية أخرى. وقد أظهرت الحرب أن الارتباط بالترتيبات العسكرية الأميركية لا يعفي هذه الدول من تداعيات التصعيد، بل قد يجعلها جزءاً من حساباته الأمنية حتى عندما لا تكون طرفاً في قرار بدء المواجهة.

أما الصين، فتحاول استثمار هذه المخاوف لتوسيع حضورها بوصفها قوة تفضل إدارة الخلافات عبر الحوار والتفاهمات الاقتصادية. وتقوم استراتيجيتها على الحفاظ على علاقات متوازنة مع الأطراف، وتوسيع التجارة والاستثمارات، وتجنب الالتزامات العسكرية المباشرة التي قد تجرها إلى صراعات إقليمية مكلفة. وهي مقاربة تختلف عن النموذج الأميركي الذي يستند إلى شبكة تحالفات عسكرية وقواعد وانتشار أمني واسع، وإن كانت واشنطن تستخدم بدورها الدبلوماسية والوساطات عندما تقتضي مصالحها ذلك.

لكن من الخطأ التعامل مع التحرك الصيني باعتباره مبادرة محايدة أو منفصلة عن حسابات المنافسة الدولية. فبكين تسعى أيضاً إلى حماية وارداتها من الطاقة، وتأمين طرق تجارتها، وتقديم نموذج مختلف عن الدور الأميركي، بما يعزز صورتها لدى دول المنطقة. كما أن تراجع الثقة في قدرة واشنطن على احتواء الأزمات يتيح للصين مساحة أوسع لتقديم نفسها شريكاً سياسياً واقتصادياً أكثر قابلية للتعامل معه. وقد ربطت تحليلات حديثة بين تكثيف الدبلوماسية الصينية ومخاوف دول الخليج من تجدد الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران.

ومع ذلك، لا تزال أمام بكين اختبارات صعبة. فالعلاقات الاقتصادية لا تمنحها تلقائياً أدوات الضغط الكافية لتغيير حسابات طهران الأمنية، كما أن السعودية لن تتخلى عن شراكتها الدفاعية مع واشنطن لمجرد انفتاحها على الوساطة الصينية. فضلاً عن ذلك، فإن نجاح أي تفاهم يحتاج إلى معالجة قضايا تتجاوز العلاقة الثنائية، وفي مقدمتها أمن الملاحة في هرمز، والهجمات على المنشآت الحيوية، والبرنامج النووي الإيراني، ومستقبل الترتيبات الأمنية في الخليج.

ويكتسب التحرك الصيني أهمية إضافية مع اقتراب اللقاء المرتقب بين الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والصيني شي جين بينغ في 18 و19 نوفمبر، إذ قد يتحول الشرق الأوسط إلى أحد الملفات التي تعكس التنافس بين الطرفين، حتى وإن لم يكن محوراً معلناً للمباحثات. فبكين تريد أن تثبت قدرتها على التأثير في أزمة تتصل مباشرة بمصالحها، بينما لا تبدو واشنطن مستعدة للتنازل عن موقعها الأمني التقليدي في المنطقة.

وبين الاستراتيجيتين، لا يبدو أن الشرق الأوسط يتجه بالضرورة إلى استبدال النفوذ الأميركي بالنفوذ الصيني، بقدر ما يدخل مرحلة تتنافس فيها القوى الكبرى على تحديد قواعد إدارة أزماته. فواشنطن تراهن على الردع والتحالفات والضغط العسكري، فيما تراهن بكين على المصالح الاقتصادية والاتصالات السياسية وتوسيع قنوات الوساطة. وقد لا تنتج المقاربة الصينية سلاماً شاملاً أو مصالحة استراتيجية بين الرياض وطهران، لكنها قد توفر مساحة لخفض التوتر وإعادة بناء حد أدنى من الثقة.

وهنا تكمن أهمية التنافس الناعم بين بكين وواشنطن: ليس في قدرة إحداهما على إقصاء الأخرى، وإنما في أي مقاربة تستطيع أن تمنح دول المنطقة هامشاً أكبر لتجنب الحرب، بدلاً من إبقائها في دائرة الاستنفار الدائم. فالشرق الأوسط لا يحتاج إلى إعادة توزيع مناطق النفوذ بقدر حاجته إلى ترتيبات أمنية تمنع تحوله مجدداً إلى ساحة لتصفية حسابات القوى الكبرى.