كل الحروب في العالم ينتج عنها ضحايا مدنيون، وتتحمل تلك الضحايا أوزار الحروب دون أن يكون لها ذنب. والحرب الحالية، التي امتدت لأكثر من أحد عشر عامًا، نتج عنها ضحايا كثيرون، من بينهم ضحايا النزوح القسري من مناطق القتال إلى مناطق آمنة. وهذا ما حدث، حيث استقبل الجنوب أعدادًا هائلة من النازحين من مناطق سيطرة الحوثي، وكانت عدن قد أخذت النصيب الأكبر. وهذا ما جرى، حيث استقبل سكان الجنوب، ولا يزالون يستقبلون، كل النازحين الذين اضطرّتهم الحروب إلى مغادرة مساكنهم وأراضيهم وأهلهم، وتم ذلك بكل رحابة صدر خلال سنوات الحرب، مع مساعدتهم على العيش بكرامة حتى اليوم.
ولكن:
تؤكد تجارب الجنوب السابقة أن أفرادًا ينتمون إلى الشمال كانوا يعيشون وسط الحارات والأسواق في المدن، ويمارسون حياتهم بشكل طبيعي وآمن، وفجأة تحوّل بعضهم إلى مقاتلين وقناصين، وأخذوا يرشدون القوات الشمالية الغازية، وتحولوا إلى مقاتلين أشداء ضد المواطنين الجنوبيين الذين تعاملوا معهم بلطف وود كبيرين. حتى بعض من كانوا مجانين ومتسولين، وكان الجنوبيون يعطفون عليهم، شاركوا في المشهد العسكري وكأنهم قوات غازية. مثل هذه المشاهد لا يمكن أن تُنسى، وظلت عالقة في ذاكرة الجنوبيين. ولذا، لا أحد يلوم الجنوبيين على أخذ الحيطة والحذر؛ فهم لن يُلدغوا من الجحر نفسه عدة مرات، وهم مضطرون إلى اتخاذ الإجراءات التي تضمن أمنهم واستقرارهم وحماية النازحين المسالمين.
فاتقوا الله في شعب اليمن، وقولوا كلمة سواء، وازرعوا الأمل في قلوب الناس، وابتعدوا عن توظيف الدين في السياسة؛ لأن العواقب ستكون وخيمة على الجميع.
ولكن:
أولًا: هناك من أفسد الروح الإيجابية التي عادةً ما تسود سكان الجنوب في إغاثة الملهوف ونجدة المظلوم، عندما تم تسييس هذا النزوح من قبل جهات سياسية يمنية معروفة، والهدف تغيير الوضع الديمغرافي للسكان الأصليين في الجنوب. ويتم ذلك بمساعدة منظمات دولية معروفة أيضًا، تعمل بمشاركة بعض تجار وأغنياء الشمال الذين تبنّوا توطينهم في بعض مدن الجنوب. وهذا العمل أثار الشكوك لدى الجنوبيين بأن هذه الحرب أصبحت وسيلة للتغيير الديمغرافي في الجنوب، الذي سيؤثر، حسب تخطيطهم، على أي استفتاء قادم يمكن أن يغيّر المعادلة. وكان هذا أحد أسباب إطالة أمد الحرب، وهذا ما لا يقبله شعب الجنوب إطلاقًا.
ثانيًا: هناك من استغل هذا النزوح وزجّ بعدد كبير من العناصر الاستخباراتية والعناصر المدرّبة عسكريًا داخل قوافل النزوح، وزرعهم كخلايا نائمة في مدن الجنوب لإحداث الفوضى والإخلال بأمن السكان واستقرارهم. وكما نشاهد، فقد كُشفت أعداد كبيرة من الخلايا، وكُشفت أهدافها التخريبية، وكذلك كُشف عن الكم الهائل من المخازن والمستودعات والهناجر المليئة بالسلاح والمتفجرات بمختلف أنواعها. ولهذا، لا أحد يلوم السلطات الأمنية وكل سلطات المحافظات المدنية إذا اتخذت كافة الإجراءات لحماية السكان، بما في ذلك النازحون الأبرياء.
أثبتت الحرب خلال السنوات الماضية أنها حرب جنوبية شمالية، لسبب بسيط، وهو أن كل جبهات القتال في الشمال لم تتحرك قيد أنملة، ولم تستطع القوات التي تُسمّى شرعية تحرير محافظة شمالية كاملة حتى اليوم، وكل تركيز الحوثي يتجه نحو الجنوب، الذي ظلت جبهاته مشتعلة حتى اليوم. ومن المفارقات أن القوات التابعة للشرعية تسلّم المواقع للحوثي، ثم تطالب الشرعية القوات الجنوبية باستردادها، كما حدث في باب المندب وتعز.
نصيحة لإخواننا النازحين والنازحات:
أن يحترموا ضيافة الجنوب وسكان الجنوب، وأن يحافظوا على نعمة الأمن والاستقرار، وهذا يُعد أهم مكسب بالنسبة إليهم، وأن يحافظوا على لقمة عيشهم التي تتوفر لهم في الجنوب، وأن يحافظوا على روح الود والوئام بينهم وبين الجنوبيين، وأن يبتعدوا عن تنفيذ الأجندات السياسية التخريبية التي توظفها القوى المعادية للجنوب، حتى لا يضطر الأمن في الجنوب إلى اتخاذ إجراءات رادعة.
كما أنصح السلطات المحلية بالقيام بحصر النازحين وتسجيلهم، ومنحهم بطاقات هوية نازح، وأن تقوم اللجان المجتمعية بحصرهم في الأحياء بالتنسيق مع مراكز الشرطة، للحفاظ على أمنهم واستقرارهم.
وأنصح القوى اليمنية والنخب السياسية والقبلية، منها على وجه الخصوص، بوقف التحريض ضد الجنوب وتعبئة العامة وشحنهم بأفكار متطرفة معادية للجنوب؛ فالخوف من أن يؤدي ذلك إلى الانفجار العظيم وتتكرر مأساة رواندا. فالنار تبدأ من كلمة سلبية تُعبّأ بها أدمغة العامة، وبعدها تشتعل الحرائق التي لا أحد يستطيع وقفها.


















