ليس أصعب ما في الحروب أن تتوقف البنادق، بل أن يتوقف الخوف الذي زرعته في القلوب. فقد تصمت المدافع، وتُفتح الطرقات، وتعود الأسواق إلى ازدحامها، بينما يظل طفل يرتجف من صوت باب أُغلق بعنف، وأمّ تخشى الغد، وجار ينظر إلى جاره بعين الريبة. عندها ندرك أن السلام ليس مجرد غياب للحرب، بل حضور للطمأنينة والعدل والثقة في حياة الناس.

وفي اليمن، حيث طال انتظار السلام، ربما حان الوقت لنسأل سؤالًا مختلفًا: كيف نجعل السلام مهارة يتعلمها الجميع، لا أمنية ينتظرها الجميع؟

فالسلام ليس صفة يولد بها بعض الناس ويُحرم منها آخرون، بل قدرة إنسانية تنمو بالتربية والممارسة؛ نتعلمها حين نختلف دون أن نهين، ونغضب دون أن نؤذي، ونملك القوة فلا نستعملها لإذلال الضعيف، ونعترف بالخطأ دون أن نعدّ الاعتذار هزيمة.

تبدأ هذه المهارة من البيت، حين يرى الطفل أبويه يختلفان ثم يتشاوران، وحين يسمع كلمة «سامحني» من كبير قبل أن تُطلب منه، وحين يتعلم أن الإنصات ليس ضعفًا، وأن كرامة الإنسان لا تسقط لمجرد اختلاف رأيه. فالطفل الذي ينشأ في بيت يحترم مشاعره، يتعلم أن الاحترام لغة طبيعية للعلاقات، أما الذي لا يعرف سوى الصراخ، فقد يحمل تلك اللغة معه إلى المدرسة والشارع، ثم إلى المجتمع.

لكن كيف يصل السلام إلى قلب طفل لم يعرف من الحياة إلا الخوف؟

لا يكفي أن نخبره بأن الحرب سيئة، أو نطلب منه ألّا يخاف. يحتاج إلى تجربة يومية تقنع قلبه بأن العالم يمكن أن يكون آمنًا؛ إلى معلم لا يسخر من خطئه، وأم تجد من يساندها حتى تمنحه وقتًا وحنانًا، ومدرسة لا تجعل العقاب وسيلتها الأولى للتربية، ومساحة يلعب فيها دون أن يتعلم تقسيم رفاقه بحسب مناطقهم أو معتقداتهم.

ولعل من أجمل ما يمكن أن تفعله مدارس اليمن أن تخصص وقتًا لتعليم مهارات السلام، كما تخصص وقتًا للقراءة والحساب؛ يتعلم الأطفال فيه تسمية مشاعرهم، وحل خلافاتهم بالحوار، والعمل في مجموعات، والاعتذار، وإصلاح ما أفسدوه. وأن تتحول ساحة المدرسة من مكان قد يتعلم فيه الطفل قوة الغلبة إلى مساحة يكتشف فيها قوة التعاون.

ولا يحتاج ذلك دائمًا إلى ميزانيات ضخمة؛ فقد تبدأ مدرسة بحصة أسبوعية لتعليم الأطفال الأخلاق، ويبدأ حيّ بمبادرة تجمع أبناءه لتنظيف شارع أو إصلاح فصل دراسي، وتبدأ أسرة بمائدة يُسمح حولها للصغير أن يتحدث كما يتحدث الكبير. تلك أعمال تبدو بسيطة، لكنها تعيد تدريب المجتمع على الثقة.

وثمة سؤال أعمق ينبغي أن نواجهه بشجاعة: كيف نبني مجتمعًا لا يحتاج إلى عدو كي يتحد؟

لقد اعتادت بعض المجتمعات أن تجد وحدتها في الخوف من الآخر، حتى يصبح الاختلاف تهديدًا، والتنوع سببًا للانقسام. لكن الوحدة التي يصنعها العداء تظل رهينة وجود عدو؛ فإذا غاب، بحثت عن عدو جديد. أما الوحدة الحقيقية فتنشأ حين يجتمع الناس حول غاية مشتركة: تعليم الأطفال، وحماية المرضى، وإنصاف المظلومين، وإحياء قرية، وصناعة مستقبل يتسع للجميع.

وهنا تستطيع المرأة اليمنية، إلى جانب الرجل، أن تؤدي دورًا يتجاوز احتمال أعباء الأزمات إلى المشاركة في تغيير ثقافة المجتمع؛ حين تقود مبادرة تعليمية، أو تنظم لقاءً بين الأسر، أو تساهم في حل خلاف، أو تفتح أمام الفتيات والفتيان فرصًا متساوية للتعلم والخدمة. فالمجتمع لا يتعلم السلام إذا بقي نصف طاقته بعيدًا عن صناعة قراراته.

ولكي تتحول هذه الأفكار إلى واقع، نحتاج إلى مجالس أحياء تتشاور بدلًا من أن تتنازع، ومدارس تكافئ التعاون كما تكافئ التفوق، وإعلام يبرز قصص الإصلاح بدلًا من أن يمنح الخصومات كل الأضواء، ومؤسسات تنصف الناس دون تمييز. ونحتاج، قبل ذلك كله، إلى أن نغيّر السؤال الذي نورثه لأطفالنا؛ فبدلًا من أن نسألهم: «من انتصر في الخلاف؟» نسألهم: «كيف انتهى الخلاف دون أن يخسر أحد كرامته؟».

إن بناء السلام لا يعني مطالبة المظلوم بنسيان حقه، ولا دعوة المتضرر إلى الصمت؛ فالسلام الذي يتجاوز العدالة ليس إلا هدنةً للخوف. وإنما يعني أن نتعلم المطالبة بالحقوق دون تجريد الآخرين من إنسانيتهم، وأن نجعل الإنصاف أساسًا للمصالحة، لا بديلًا عنها.

وحين يتعلم اليمنيون السلام كما يتعلمون القراءة والكتابة، لن يكون السلام مجرد اتفاق يُوقَّع في أعلى الهرم، بل ثقافة تنمو في ملايين القلوب؛ تبدأ من حضن أم، وعدل أب، وحكمة معلم، وإنصاف جار، وتمتد حتى تصبح أخلاق وطن.

فأعظم انتصار لا يتحقق حين نهزم إنسانًا آخر، بل حين نبني مجتمعًا لا يحتاج فيه أحد إلى هزيمة الآخر كي يعيش بكرامة.