الدولة تُبنى بقرار، وتنهار بقرار، والحرب تشتعل بقرار، والحسم يأتي بقرار، والكارثة تتحقق بقرار.

وأصحاب القرار وحدهم يتحملون مسؤولية ما يترتب على قراراتهم. فقرار الرئيس أو الحاكم لا يقتصر تأثيره على فئة بعينها، بل يمتد ليشمل الوطن كله، سواء كان أثره سلبيًا أم إيجابيًا.

ونحن في اليمن نعاني منذ أكثر من عقد من أزمة القرار. وتحولت مواقع صنع القرار إلى ما يشبه «بوتيك ورد»؛ فعندما تريد أن تجامل شخصًا أو تعبّر له عن مشاعرك، تذهب لتشتري له باقة ورد وترسلها إليه.

في الأوضاع الطبيعية، تنهار دول بأكملها بسبب قرار خاطئ واحد، فما بالكم بوضعنا نحن المنهار أصلًا، والذي لم يبقَ من الدولة فيه سوى الاسم وبقايا مؤسسات مدمرة، ووطن يعيش حربًا مستعرة في كل أرجائه، وتسيطر ميليشيا انقلابية كهنوتية متخلفة على أجزاء واسعة منه، لا تؤمن بالسلام، ولا تقبل بالآخر، ولا تحترم العهود والمواثيق.

فهل يعقل أن تسمح مواقع صنع القرار بارتكاب أخطاء قد تكلف الوطن مئات الضحايا من أبنائه، فضلًا عن الخسائر المادية والمعنوية، وإهداء الانقلابيين انتصارات مجانية وفرصة للبقاء فترة أطول؟

لسنا ضد أشخاص بعينهم، ولسنا طلاب مناصب، ولكن من منطلق الحرص على أرواح آلاف الشباب الذين يرتقون شهداء يوميًا، ومئات الآلاف من النازحين الذين هُجّروا من قراهم ومدنهم بسبب قرارات خاطئة أسقطت مناطقهم ووضعتهم أمام خيارين أحلاهما مر: إما النزوح، أو البقاء تحت رحمة الحوثي. لقد أصبحوا ضحايا لنزوات حكام ينظرون إلى هذه القرارات من زاوية ترتيب الأوضاع أو مكافأة المقربين.

خلال عام 2026، تم الإعلان عن حكومة جديدة، وخلال عشرة أشهر فقط تم إجراء ثلاثة تعديلات عليها، حتى إن أحد هذه التعديلات فشل، فصدر قرار بتعديل قرار التعديل! لم يحدث مثل هذا العبث في أي دولة في العالم، ولم نسمع به من قبل.

ولو تأملنا التعديلات التي طرأت على الحكومة، لما وجدنا فيها أي ضرورة ملحة، ولم تلامس أي تغيير جوهري يهدف إلى الإصلاح أو يحقق مصلحة وطنية. كل ما في الأمر: «س بدل ص، وهـ بدل س، وي بدل هـ»؛ الوجوه نفسها والكراسي نفسها، وما تغيّر سوى المكاتب. أما التخصص فغير مطلوب، فالوزير في اليمن يستطيع أن يدير أي وزارة، كالسائق الذي يحمل رخصة قيادة عمومية ويستطيع قيادة جميع أنواع السيارات والشاحنات.

هذا ناهيك عن القرارات العسكرية والتجنيد العشوائي؛ ففلان «أحمر عين» يُمنح منصب قائد محور أو لواء، ويُرقّى إلى رتبة لواء أو عميد، ثم يتحرك إلى الجبهة وكأن أبناء الناس لعبة، ودماءهم رخيصة، فيتم تسليمهم لقيادات غير أمينة وغير كفؤة في الحفاظ على أرواح جنودها؛ لأنها غير مؤهلة ولا تملك الخبرة العسكرية.

إنها أرواح جنود تُزهق يوميًا، وأمهات ثكالى، وأطفال يُتّموا، بسبب قرار اتُّخذ مجاملةً أو ترضيةً أو مكافأةً لشخص غير جدير، يُزجّ بهم إلى مواقع الخطر ليكونوا فريسة حتى قبل أن تُطلق طلقة واحدة. وكم من مذابح حدثت بسبب هذه الأخطاء!

إن القرار في زمن الحرب ليس ورقة تُوقّع، ولا منصبًا يُوزّع، بل هو حياة أو موت، ونصر أو هزيمة، ودولة أو انهيار.

ومن لا يدرك خطورة القرار، لا يستحق أن يجلس على كرسي القرار.

* رئيس ملتقى أبين الجامع