لم تعد الشهرة في زمن المنصات الرقمية مرهونة بموهبة أو فكر أو إبداع، ولم يعد الوصول إلى عقول الناس يحتاج بالضرورة إلى علم أو ثقافة أو موقف يستحق الاحترام؛ يكفي أحيانًا أن يثير أحدهم ضجيجًا، أو يفتعل مشهدًا، أو يتعمد استفزاز الناس، حتى يجد نفسه في صدارة المشهد، تتناقله الصفحات، وتطارده التعليقات، وتمنحه الخوارزميات مساحة لم يكن ليحلم بها لولا جمهور قرر، دون أن يدرك، أن يصنع منه نجمًا.

وهنا تكمن المفارقة المؤلمة.. لم يعد بعض التافهين بحاجة إلى صناعة محتوى يستحق المشاهدة، فقد أصبح غضب الناس نفسه هو المحتوى الذي يصنع شهرتهم.

إننا نعيش زمنًا اختلطت فيه مقاييس الشهرة، حتى أصبح صاحب الكلمة الرصينة يحتاج إلى جهد طويل ليصل إلى الناس، بينما يستطيع صاحب المحتوى الفارغ أن يتصدر المشهد في ساعات. أصبح الجاد مهمشًا، وصاحب المعرفة محاصرًا وسط الضجيج، وأصبح الاستفزاز في كثير من الأحيان طريقًا مختصرًا إلى الترند، ولو كان الثمن هو خدش الذوق العام، وإهدار قيمة الكلمة، وتطبيع المجتمع مع الرداءة.

لكن السؤال الذي ينبغي أن نواجه به أنفسنا ليس: لماذا ينتشر هؤلاء؟ بل: من الذي يمنحهم هذا الانتشار؟

الحقيقة التي قد لا تعجب كثيرين أننا أحيانًا نشارك في صناعة الظاهرة التي نشتكي منها؛ نغضب من محتوى تافه، فنشاركه للتحذير منه، ونستنكره بالتعليقات، وندخل في سجالات طويلة مع أصحابه، ونظن أننا نواجههم، بينما نحن في الواقع نمنحهم مزيدًا من المشاهدات، ونوسع دوائر انتشارهم، ونرفع ترتيبهم في منصات التواصل.

إن كل مشاركة غاضبة قد تكون إعلانًا مجانيًا، وكل تعليق مستفز قد يكون دعوة لمزيد من الجمهور، وكل جدال لا طائل منه قد يتحول إلى سلّم يصعد عليه من لم يجد لنفسه مكانًا إلا فوق أكتاف الآخرين.

وليس المقصود هنا مصادرة حق الناس في النقد أو التعبير، ولا الدعوة إلى الصمت أمام التجاوزات؛ فالنقد الواعي ضرورة، ومواجهة الإساءة مسؤولية، والتبليغ عن المحتوى المخالف حق مشروع. لكن ثمة فرقًا كبيرًا بين نقد يضيء الحقيقة، وتفاعل يمنح التفاهة حياة جديدة، وبين موقف مسؤول يواجه الخطأ، وانفعال عشوائي يحوّل أصحابه إلى نجوم.

إن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس مجرد انتشار محتوى فارغ، بل أن تتحول التفاهة إلى معيار للنجاح، وأن يعتاد الجيل الجديد رؤية الشهرة بلا قيمة، والظهور بلا إنجاز، والضجيج بلا رسالة. عندها لا نخسر معركة على شاشة هاتف فحسب، بل نخسر شيئًا من ذائقتنا العامة، ومن احترامنا للمعرفة، ومن قيمة الكلمة الجادة في المجتمع.

كم من عالم ومفكر ومبدع وصاحب رسالة يعيش بعيدًا عن الأضواء، وكم من صاحب محتوى لا يقدم للناس سوى الضجيج يحصد آلاف المتابعين والمشاهدات. ليست المشكلة في أن يختلف الناس في أذواقهم، بل في أن نسمح لمقاييس المشاهدة وحدها بأن تحدد من يستحق أن يكون حاضرًا في وعينا.

إن المجتمع الذي يرفع أصحاب المعرفة، ويحتفي بالمبدعين، ويمنح أصحاب المواقف مساحة، هو مجتمع يحمي مستقبله من الابتذال. أما المجتمع الذي يطارد كل ترند، ويعيد نشر كل إساءة، ويمنح كل مستفز جمهورًا جديدًا، فإنه يشارك، من حيث لا يدري، في تكريس المشهد الذي يتألم منه.

لذلك، لا تمنحوا المايعين والتافهين شهرة من رصيد وعيكم. لا تجعلوا من تفاعلكم سلّمًا يصعدون عليه. لا تلاحقوا كل استفزاز، ولا تدخلوا كل معركة تُفرض عليكم. تجاهلوا ما لا يستحق، وألغوا متابعة الصفحات التي تتغذى على ابتذال الذوق العام، وأبلغوا عن المحتوى المخالف بدلًا من إعادة نشره وتوسيعه.

امنحوا اهتمامكم لمن يستحقه، واحتفوا بمن يضيف إلى عقولكم شيئًا، وادعموا أصحاب الكلمة والموقف والإبداع. فالجمهور ليس مجرد أرقام على الشاشات، بل قوة قادرة على أن تصنع قيمة، أو ترفع تفاهة، وأن تمنح الضوء لمن يستحق، أو تسلطه على من لا يقدم سوى العتمة.

تذكروا دائمًا: ليس كل من يستفزكم يستحق الرد، وليس كل صوت يستحق أن يُسمع، وليس كل ترند يستحق أن تكونوا جزءًا منه.

فلا تكونوا الوقود الذي يشعل شهرة من لا يملك ما يستحق الشهرة، ولا تمنحوا التفاهة أعمارًا إضافية من وقتكم ووعيكم.

اقتلوا التفاهة بالتجاهل، وحاصروا الرداءة بسحب جمهورها، وأعيدوا الاعتبار للكلمة التي تبني، والعقل الذي يفكر، والإنسان الذي يستحق أن يُحتفى به.

فليس كل مشهور عظيمًا، وليس كل متصدر جديرًا بالاهتمام، وأحيانًا تكون أعظم خدمة نقدمها للمجتمع أن نتوقف عن التصفيق للضجيج.

فالتفاهة لا تصنع مجدًا من تلقاء نفسها، نحن من نمنحها المنصة، ونحن من نملك أن نسحبها منها.

* رئيس شبكة محامون ضد الفساد