في تعليقه على قرار تشكيل مجلس سلاطين وشيوخ وأمراء الجنوب العربي، كتب الدكتور ياسين سعيد نعمان مقالًا بعنوان (أبحر الجميع على قارب واحد اسمه دولة المواطنة)، محذرًا من العودة إلى التكوينات السياسية والاجتماعية القديمة، وواصفًا استدعاء الماضي بأنه خطأ جسيم وهو ما يعكس موقفًا رافضًا لأي خطوة تعيد الاعتبار للهوية السياسية والتاريخية للجنوب، فبدلًا من تقديم قراءة منصفة للواقع، انطلق الدكتور ياسين من فرضية خاطئة، مفادها أن استعادة هذه الهوية تعني العودة إلى الماضي السياسي الذي طوته الثورة، متجاهلًا أن المشكلة لم تكن في الماضي بحد ذاته، بل في طريقة التعامل معه ، كما انه تجاهل حقيقة جوهرية وهي ان تلك الثورة قد جاءت على حساب الهوية الجنوبية، وقامت بطمسها وفرض هوية أخرى عليها، مما يجعل استعادتها اليوم ضرورة تاريخية وليست مجرد استدعاء ماضوي خاطئ. اليس من الخطأ أن يُختزل نضال الشعوب في مجرد "استدعاء للماضي"، كما حاول الدكتور ياسين سعيد نعمان أن يصوِّره في مقاله، فالتاريخ ليس حكاية تُروى، بل هوية تُصان، ومسارٌ يُعبِّرعن حقٍّ مشروعٍ لا يمكن القفز عليه تحت دعاوى المواطنة التي لم تكن يومًا سوى قناعٍ لإلغاء الكيانات الوطنية وطمس هوياتها.
ان قرار تشكيل مجلس السلاطين والشيوخ والأمراء لم يكن محاولة لإعادة عقارب الزمن إلى الوراء كما جاء في مقالته، بل هي خطوة طبيعية في سياق استعادة الهوية الجنوبية التي طُمست عمدًا بعد الاستقلال وان هذه الخطوة ليست خروجًا عن مشروع الدولة، بل تأتي لتؤكد أن الجنوب له عمق تاريخي يجب الاعتراف به و إن الهوية لا تُمحى بقرار سياسي، فالدول التي تحترم تاريخها لا تلجأ إلى طمس ماضيها، بل تستوعبه في بناء مستقبلها. وتجارب دول الخليج خير دليل، إذ نجحت في بناء دول حديثة دون أن تتنكر لجذورها أو تلغي مكوناتها التاريخية، بل استندت إليها كأساس متين يعزز الاستقرار والشرعية السياسية، فلماذا يُراد للجنوب أن يكون استثناءً لهذه القاعدة؟.
أشار الدكتور ياسين في مقالته تلك ، بأن الماضي السياسي يجب أن يُترك حيث هو، لأن تكراره في ظروف مختلفة يقود إلى الفشل. لكن أليس الأجدر بنا أن نتساءل: هل كان الماضي الجنوبي مجرد خطأ يجب تجاوزه، أم أن ما جرى بعده هو الخطأ الأكبر؟.ان الثورة التي تحدث عنها لم تنتج دولة وطنية، بل أسقطت كيانًا سياسيًا له تاريخه، واستبدلته بمشروع سياسي دخيل لم يأخذ بعين الاعتبار الخصوصية الجنوبية و لم يكن الجنوب بحاجة إلى ثورة تطيح بماضيه السياسي والاجتماعي، بل كان بحاجة إلى تطور طبيعي يراعي هويته وامتداده التاريخي لا إلى اجتثاث كامل لبُنيته السياسية والاجتماعية تحت ذريعة إقامة دولة المواطنة التي لم تكن إلا شعارًا يخفي خلفه إقصاءً متعمّدًا لهوية شعب بأكمله..
لقد بين في سياق مقالتة ، أن الثورة منحت الجميع المواطنة، لكن أي مواطنة يقصد؟ هل المواطنة تعني الإقصاء والتهميش، كما حدث لكثير من المكونات الجنوبية بعد الاستقلال؟ وعن أي مواطنة تلك التي تُبنى على أنقاض الجنوب؟. في الواقع، ما يُروَّج له من أن الثورة جاءت لتمنح الجميع المواطنة، لكن تلك المواطنة التي تحدث عنها ، لم تكن سوى عملية تعميم قسري ألغت كل الخصوصيات الجنوبية ووضعت الجنوب في قوالب سياسية لا تمتُّ له بصلة. ان ما حدث لم يكن بناءً لدولة مواطنة، بل كان عملية تذويب قسري للمجتمع الجنوبي في كيان سياسي فرض نفسه بقوة السلاح والشعارات الرنانة، ليجد الجنوبيون أنفسهم بعد ذلك مُجرَّدين من كيانهم السياسي والاجتماعي، ومُدمجين قسرًا في صراعات لم تكن تخصهم، حتى انتهى بهم المطاف إلى وحدة سياسية لم تأخذ برأيهم، وانتهت بحربٍ همجية عام 1994 قضت على ما تبقى من كيانهم السياسي، ووضعته في قبضة نظامٍ لم يعترف أصلًا بوجودهم كمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات.
إن الهوية الجنوبية لم تُطمس بفعل التطور الطبيعي كما أشار في مقالته تلك، بل بفعل سياسة ممنهجة قامت على الإلغاء والإقصاء، واليوم، حين يحاول الجنوبيون استعادة جزء من تاريخهم السياسي، يتم تصوير الأمر وكأنه انتكاسة، رغم أنه في الواقع خطوة نحو تصحيح المسار الذي فُرض عليهم قسرًا.
ذكر د.ياسين في سياق مقالته الى أن الدولة الحديثة قامت على أنقاض السلطنات والمشيخات، لكنه تجاهل حقيقة أن هذه الدولة لم تستقر يومًا، بل كانت مليئة بالصراعات الجنوبية-الجنوبية التي غذّتها أطراف داخل النظام نفسه ، فالقوى التي رفعت شعار المواطنة لم تكن تُمارسها، بل كانت تعمل على تصفية خصومها، وتحويل الجنوب إلى ساحة صراعات داخلية لم تتوقف حتى اليوم وبدلًا من بناء دولة وطنية حقيقية، تم تمزيق النسيج الاجتماعي الجنوبي عبر صراعات داخلية لم تكن عفوية، بل كانت مدفوعة بتوجهات وأجندات خارجية أرادت إبقاء الجنوب في حالة عدم استقرار، حتى يكون من السهل التحكم به.
هناك فرق بين استدعاء الماضي بشكل جامد كما حاول تصويره في مقالته ، وبين الاعتراف بالأخطاء التاريخية وتصحيحها، فا الجنوب اليوم لا يسعى إلى إعادة إنتاج السلطنات والمشيخات ، لكنه يطالب بحقوقه في استعادة كيانه السياسي، تمامًا كما تفعل أي أمة تعرضت للطمس والإلغاء وإن إحياء الهوية الجنوبية ليس مجرد حنين إلى الماضي، بل هو جزء من معركة الحاضر والمستقبل وان الاعتراف بالتركيبة السياسية والاجتماعية للجنوب لا يعني العودة إلى الوراء، بل هو شرط أساسي لبناء مستقبل مستقر وعادل على العكس، فإن تجاهل هذه الهوية ومحاولة فرض هويات دخيلة هو الذي يؤدي إلى التفكيك والفوضى.
انهي د ياسين مقاله بالحديث عن قارب اسمه "دولة المواطنة"، لكن الواقع يقول شيئًا آخر، فالجنوب ليس قاربًا تائهًا في البحر يبحث عن وطن، كما حاول تصويرة، بل هو سفينة تبحث عن مرفأها تمتلك تاريخًا وهوية وشعبًا يدرك تمامًا ماذا يريد. ان الجنوب لم يكن يومًا مشروعًا مؤقتًا، ولم يكن مجرد تجربة سياسية عابرة يمكن القفز عليها بمقولات فضفاضة عن المواطنة والدولة الحديثة فا الجنوب كان وسيظل كيانًا سياسيًا قائمًا بذاته، وشعبًا يعرف هويته، ويُدرك حقه في استعادة دولته ، أما المواطنة التي تحدث عنها ، فهي حقٌّ مشروعٌ لكل جنوبي، لكن في إطار دولته المستقلة، وليس كجزءٍ من كيانٍ صُنِعَ على حسابه، وسُوِّق له على أنه البديل الوحيد فمن أراد أن يتحدث عن المستقبل، فليبدأ أولًا بالاعتراف بالحاضر كما هو، لا كما يراد له أن يكون. ان المواطنة الحقيقية لا تعني نكران التاريخ، بل الاعتراف به وتصحيحه ومن يريد الحديث عن دولة المواطنة، عليه أولًا أن يعترف بحق الجنوبيين في تقرير مصيرهم واستعادة دولتهم وهويتهم التي لم تكن يومًا جزءًا من ذلك القارب الذي يحاول البعض إجبارهم على الإبحار فيه.
وختامآ، الجنوب اليوم لا يستدعي الماضي، بل يستعيد هويته، وهذا حقه الطبيعي الذي لن يكون يومآ ما محل مساومة.