حتى لا يغرق الوطن بوحل النسيان، وحتى لا يظل الجمع الوطني غارقًا بمتاهات
الانقسام والتبعثر، بزمن حالك يتطلب انبثاقات شعاع أضواء تنير الطريق
لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من بقايا وطن يحترق، تلتهمه نيران حرب حمقاء آن أوان
التصدي لها.
صحيح أن ضجيج الحرب بمصالحها وأطرافها المتعارضة لا يسمح لغير أصواتها بأن تعلو على صوت ضجيج معركة وطنية خالصة، لا صوت يعلو فوق صوتها. هي حرب أطراف ومصالح إقليمية ودولية، الوطن ومصالحه في ذيل أولوياتها. وهنا يلقي علينا الوطن المطحون بالحرب وخرائبها سؤالًا مسؤولًا: وما عساكم فاعلون؟ فالتاريخ لا يرحم من صمت، ولا يرحم من أغمض عينيه، تمامًا كما لن يرحم من أجّجوا وأخّروا وتقاعسوا وتاجروا بملفات الصراع، ولم يغلبوا المصلحة العليا للوطن وشعبه على باقي الملفات الذاتية أو النفعية، وضمن أي توجهات سياسية عدمية أو قراءات فقهية باطلة. قضايا بناء دولة لها مساراتها الوطنية، وأظن أن الكل يفهم ويدرك ما أقصد، دونما تعالٍ أو زيف الكبرياء التي لم تفعل سوى تدمير بلد وإنهاك شعب يدفع الثمن.
أدخل في صلب وجوهر ما أريد قوله:
أولًا: على أصحاب الفخامات المتعالية، أيًّا كانوا: حكومة، أحزاب، شرعية، قوى اعتدت وأسقطت الدولة، حتى وإن كانت ضعيفة، جرى ويجري إضعافها بشكل ممنهج من قبل من لا يريد أصلًا دولة يسود نظامها ودستورها عبر مؤسسات وطن، لا مؤسسات فرق وأزلام. كل من أشرت إليهم صمّوا آذانهم عن سماع أي صوت لا ينتهج طريق السمع والطاعة. أخف وطأة كان عدم الإنصات، إن لم يتم تخوين من يبادر لطرح أي رؤية، إما استصغارًا أو إهمالًا أو لا مبالاة، وكلا الأمرين أسوأ من بعض.
ثانيًا: من يتحاربون استحوذوا على واقع البلاد، موارد وإدارة، حكرًا لهم هنا وهناك، والفتات للشعب.
ثالثًا: ظل وما زال الاستقواء بالخارج أساسًا، دعمًا وموازاة، وعقول من تبقّى من أهل البلاد خارج منلوج جماعة إخوان الصفا والجفا لهذا الطرف أو ذاك.
رابعًا: حان وقت الإنصات للمبادرات الوطنية التي تطلق مبادرات وطنية لاجتياز أفق الحرب والأزمة الطاحنة التي طال مداها وخرّبت كل شيء: اقتصادًا مدمرًا، وموارد تبددت، وسيادة تتآكل، وبنية وطنية تتمزق شذرًا مذرًا، تغذيها موجات عنف ابتزازي تدمر عمدًا الروابط الوطنية والثقافية، خالقةً ومخلّفةً فراغات ثقافية جرى تكريسها، تتسلل من خلالها أدوات تدمر عمدًا ما تبقى.
خامسًا: الوقت والراهن الدامي يتطلبان البحث عن كيفية مغادرة خيار الحرب، وهنا بيت القصيد.
من ضمن جهود وإنارات وأفكار تقدم بها طيف وطني واسع، ليس آخرها ما كتبه مؤخرًا أستاذنا العزيز يحيى حسين العرشي، الذي أضاف مجددًا ضمن رؤيته الأخيرة، التي سبق له أن تبنّاها قبل عام مضى، يوم تبنّى سبيلًا ونهجًا للخلاص الوطني، ما زال صالحًا ويمكن إعادة طرحه.
أقول وأدعو إلى تبنّي ما طرحه أستاذنا القدير، صرخةً لتحويل ما طرحه، ومثلها من أفكار تبنّتها جماعة السلام، وأي أفكار وطنية أخرى تصب في ذات الاتجاه.
نأمل أن نرى في الأفق بصيصًا من نور يضيء النفق المظلم، وما أكثر الأنفاق التي حجبت نور الشمس عن طريق مستقبل بلادنا وشعبها المضحي.