> «الأيام»الجزيرة:

​لم يعد ذوبان الجليد في القطب الشمالي مجرد تغير بيئي يناقشه المعنيون بقضايا الاحترار المناخي، بل تحول إلى صراع جيوسياسي يعيد رسم خرائط الأمن الدولي ويدور بشأنه تنافس ثلاثي محتدم بين القوى الكبرى.

فموسكو تواصل عسكرة شواطئها القطبية وتوسيع أسطول كاسحات الجليد النووية وتأمين "طريق بحر الشمال"، ولم تبتعد الصين عن المشهد؛ إذ اقتحمت المعادلة بصفة "دولة شبه قطبية" تدفع بمشروع "طريق الحرير القطبي" وتطمح إلى اختصار خطوط الملاحة العالمية.

وفي قلب هذا التحول الإستراتيجي، تستقر جزيرة غرينلاند؛ تلك الرقعة الجغرافية الشاسعة التابعة للتاج الدانماركي، بوصفها حجر الزاوية الذي تسعى واشنطن من خلاله إلى إعادة هندسة المنظومة الدفاعية للقطب الشمالي من بوابته الأطلسية، حيث وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام ضرورة صياغة مقاربة دفاعية نوعية توقف هذا التمدد عند حدوده الحالية.

ووسط هذه المعطيات المتشابكة، شكّل التوصل إلى اتفاق أمني ثلاثي ملزم بين الولايات المتحدة والدانمارك وحكومة غرينلاند، والمقرر توقيعه رسميا على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك؛ خطوة حاسمة لتحويل الجزيرة إلى حائط صد متقدم.
ولا تقتصر أهمية هذا التفاهم على طي صفحة مليئة بالجدل الذي أثارته تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب حول ضم أو شراء الجزيرة لحماية "الأمن القومي الأمريكي"، إذ إنه يؤسس لمرحلة تحصين إستراتيجي شامل تمنح واشنطن وكذلك حلف شمال الأطلسي (ناتو) نفوذا دائما يغلق بابا كبيرا أمام الطموح الروسي والصيني في القطب الشمالي.هندسة الردع الغربيةتفرض الجغرافيا العسكرية لجزيرة غرينلاند حضورها كمحور لا غنى عنه في حسابات الإنذار المبكر والاعتراض البحري لحلف الناتو؛ فالجزيرة تتربع على مسارات الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، وتطل مباشرة على الممرات البحرية الحيوية التي تتيح الولوج نحو المحيط الأطلسي مباشرة.