> عبداللاه سُميح:

وسط تجدد المعارك وتدهور الأوضاع الإنسانية في اليمن، لم تعد معاناة الأطفال تقتصر على مخاطر القصف والنزوح وسوء التغذية، بل تتزايد المخاوف من عودتهم إلى مسارات التعبئة والاستقطاب العسكري والأيديولوجي.

وتتزامن هذه المخاوف مع اتساع نطاق العمليات العسكرية بين القوات الحكومية، المدعومة بمسلحي القبائل، وميليشيا الحوثي، وما رافقها مؤخرًا من موجات نزوح جديدة وتعطل للخدمات الأساسية في عدد من المناطق.

ووفقًا لبيانات أممية، تسببت المواجهات في محافظات تعز ولحج وجنوب الحديدة وأجزاء من مأرب والجوف والبيضاء، بنزوح أكثر من 133 ألف شخص منذ مطلع أغسطس الماضي، بينهم نحو 71 ألف طفل.

وحذرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من أن استمرار المعارك خلال الأشهر المقبلة قد يرفع عدد النازحين إلى أكثر من 230 ألفًا، في بلد يتجاوز فيه عدد النازحين داخليًا 5.32 مليون شخص.
  • بيئة التجنيد
تسهم هذه التطورات في زيادة العوامل التي قد تجعل بيئات النزوح والاحتياجات الإنسانية المتفاقمة أكثر قابلية لاستقطاب الفئات الأشد هشاشة، في ظل ضعف شبكات الحماية المفترض أن تحول دون وصول ميليشيا الحوثي إلى الأطفال.

وتتداخل أسباب التجنيد في اليمن مع النزوح طويل الأمد والفقر المتزايد والانقطاع عن التعليم. وتشير الأمم المتحدة إلى أن انضمام الأطفال إلى الجماعات المسلحة قد يرتبط بعوامل متعددة، منها الفقر والرغبة في إعالة الأسرة، أو دوافع الانتقام وحماية المجتمع، فيما قد يسهم التلقين الأيديولوجي في دفعهم إلى الانخراط في الصراع.

وتبدو الأسر النازحة أكثر هشاشة، في ظل صعوبات توفير الغذاء وتكاليف الوصول إلى الخدمات الصحية والتعليمية؛ ما يدفع بعضها إلى اللجوء لوسائل تكيف سلبية.

وفي المناطق الخاضعة لسيطرتها، توظف ميليشيا الحوثي هذه الظروف، عبر مراحل من التعبئة الفكرية والاجتماعية، إلى جانب استغلال الاحتياجات الغذائية المتزايدة للأسر في تجنيد الأطفال.

ووثقت الأمم المتحدة، في تقريرها لعام 2026، تجنيد 262 طفلًا واستخدامهم في اليمن خلال الفترة التي يغطيها التقرير، مشيرة إلى أن صعوبة الوصول إلى بعض المناطق تعني أن الأرقام لا تمثل بالضرورة الحجم الكامل للانتهاكات.
  • أدوات الاستقطاب
إلى جانب الأنشطة الأيديولوجية الصيفية، كثّف الحوثيون مؤخرًا أنشطة التعبئة الفكرية والعسكرية في المدارس بالمناطق الخاضعة لنفوذهم، ونفذوا برامج تدريبية تستهدف تأهيل الأطفال، باعتبارها جزءًا من التقويم الدراسي، تمهيدًا لدفعهم إلى جبهات القتال.

وتشير تقارير حقوقية محلية ودولية إلى أن الميليشيا تستغل الأزمة الإنسانية والتدهور الاقتصادي بصورة ممنهجة، لتحويلهما إلى وسيلة ضغط على الأسر ودفعها إلى إرسال أطفالها للقتال.

وبحسب هذه التقارير، يربط الحوثيون بين انضمام الأطفال إلى برامج التجنيد وحصول أسرهم على مساعدات غذائية وبعض الامتيازات الخدمية، ما يجعل الأطفال، في بعض الحالات، وسيلة لتأمين احتياجات العائلات التي تعيش تحت خط الفقر.

وفي هذا السياق، قال وزير حقوق الإنسان مشدل محمد عمر، الأسبوع الماضي، إن الحوثيين استغلوا الفقر والحاجة المادية للضغط على الأسر وتعبئة الأطفال والزج بهم في الأعمال العسكرية، مشيرًا إلى أن عدد الأطفال الذين جندتهم الميليشيا منذ عام 2015 تجاوز 4700 طفل في مختلف المحافظات.
  • غياب المعالجات
وشهد اليمن، منذ أبريل 2022، هدنة إنسانية برعاية أممية وفرت قدرًا من الهدوء النسبي، وانخفضت خلالها مستويات العنف وتحسن وصول بعض الإمدادات، إلا أنها لم تؤدِ إلى معالجة جذور الأزمة الإنسانية أو وقف التدهور الاقتصادي.

ومع استمرار أسباب الأزمة واتساع شبكات الاستقطاب الحوثي، تبرز الحاجة إلى مسار حماية أوسع وأطول أمدًا، يضمن إعادة دمج الأطفال في المجتمع ويحول دون تجنيدهم أو استخدامهم في الصراع المسلح.

ولا تقتصر معالجة هذه المشكلة على وقف المعارك أو زيادة المساعدات الطارئة، بل تتطلب إعادة بناء منظومة حماية الأطفال، بدءًا من ضمان حصولهم على الغذاء والعلاج، مرورًا بإعادتهم إلى التعليم، وصولًا إلى توفير بيئة أسرية ومجتمعية تحميهم من الاستغلال.

كما يستدعي الحد من مخاطر التجنيد معالجة الظروف الاقتصادية التي تدفع الأسر إلى خيارات قسرية، إلى جانب مساءلة الجهات التي تستخدم المدارس والمؤسسات المدنية في التعبئة العسكرية والأيديولوجية.

وفي ظل تجدد القتال وغياب أفق واضح لتسوية سياسية شاملة، تبقى موجات النزوح والاحتياجات الإنسانية المتفاقمة من أبرز العوامل التي تزيد هشاشة الأطفال، وتتركهم عرضة للاستقطاب، بما يهدد مستقبل الأجيال اليمنية ويطيل أمد الصراع.
"إرم نيوز"