تعود مدينة تعز، في قلب اليمن، إلى صدارة الأنباء من بوابة الحرب، لا من نافذة الثقافة والتجارة التي عُرفت بها؛ وكأن قدر المدينة أن تُقدَّم للعالم من خلف المتاريس، لا من بين صفحات الكتب التي صنعت جانبا مضيئًا من تاريخ اليمن.
تعز مدينة قديمة في الذاكرة اليمنية. من الحميريين وما قبلهم الى عاصمة الجند حيث وصل معاذ بن جبل وبنى أول مسجد في اليمن.
دخلها توران شاه، شقيق صلاح الدين الأيوبي، في القرن السادس الهجري، ثم جاء عصر الدولة الرسولية، فاتخذت منها عاصمة، وتحولت على مدى أكثر من قرنين إلى مركز سياسي وعلمي وتجاري بارز. وحكمت الدولة الرسولية اليمن بين 1229 و1454م، وكانت من أطول الدول عمرا في تاريخ اليمن الوسيط.
لكن قيمة تعز لا تكمن في كونها عاصمة فحسب، بل في أنها كانت مدينة يتسع فيها الوقت للعلم، والمجتمع للاختلاف، والعقل للابتكار.
يكفي أن نتأمل أعمال إسماعيل بن المقري؛ ففي كتابه «الشرف الوافي في علم الفقه والتاريخ والنحو والعروض والقوافي» تتجاور خمسة علوم في بناء شديد التعقيد، يجعل القارئ ينتقل بين أبواب المعرفة واتجاهاتها داخل الصفحة نفسها، من يمينها أو أعلاها أو وسطها، كأنه أمام تصميم رياضي سابق لزمن الذكاء الاصطناعي.
وفي الفترة نفسها، كان اللغوي الفيروز آبادي يقدّم للعالم «القاموس المحيط» من هذا المكان.
ذلك هو الوجه الآخر لتعز: مدينة تسمح للحياة أن تتنفس، وللعلم أن يتراكم، وللتجارة أن تزدهر.
لكن التاريخ اليمني يحمل وجها آخر. فقد تعاقبت عليه حروب وصراعات مذهبية ومناطقية تركت جراحا عميقة في الذاكرة. ومع الوقت، غلبت ذاكرة الدم ذاكرة العمران، فصرنا نستعيد اليمن من خلال حروبه أكثر مما نستعيده من خلال أسواقه ومدارسه وكتبه ومدنه المفتوحة على بعضها.
ومن يقرأ ما كتبه القاضي الموزعي في كتاب الإحسان عن اليمن في العصر العثماني، يرى كيف كانت تعز في قلب صراع يتجاوز حدودها، وكيف استطاع خطاب التعبئة الدينية والمناطقية أن يحوّل الخلاف السياسي إلى خصومة اجتماعية، ويجعل الناس جماعات متقابلة بدل أن يكونوا مجتمعا واحدا.
وما أشبه اليوم بالبارحة.
فمنذ ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962، حاول اليمن الخروج من احتكار السلطة باسم السلالة أو المذهب، والانتقال إلى فكرة الدولة والمواطنة.
لم تكتمل المهمة، وظلت المناطقية حاضرة، لكن اليمن كان يتحرك، ولو ببطء، نحو دولة تتسع للجميع.
ثم جاءت الحركة الحوثية بخطاب أعاد المذهب إلى مركز الصراع السياسي، مستندا إلى منظومة فكرية وسياسية بدأت بما عُرف بـ«الملازم الحوثية» والوثيقة الثقافية الزيدية للحركة، وانتهت إلى ممارسة السلطة بالقوة والسلاح، وتكريس الصراع المناطقي، وإحياء ما يمكن تسميته «المذهبية المجغرفة».
وهنا يكمن الخطر الأعمق. حيث الجغرافيا يقسمها المذهب ، والمذهبية متخندقة بالانتماء المناطقي .ليصبح اليمن ليس أمام حرب على السلطة فقط، بل أمام محاولة لإعادة تشكيل المجتمع على أساس المذهب والمنطقة؛ في بلد تتداخل فيه الجغرافيا مع المذهب، ويمكن للخلاف السياسي أن يتحول سريعا إلى تصنيف اجتماعي، ثم إلى خصومة جماعية.
وقد عرف اليمنيون، في مراحل مختلفة، كيف يتجاوزون هذه الحواجز. عاش الزيدي والشافعي في مدن واحدة، وتجاورت القبائل والمناطق، وتداخلت الأسواق والبيوت والمصالح، وكان الانتماء الوطني، رغم كل عثراته، أوسع من الانتماء المذهبي.
وتعز هي الاختبار الأوضح.
وهنا يصبح السؤال أكبر من تعز:
لماذا تعز؟
لماذا هذه المدينة الواقعة في قلب الطريق بين شمال اليمن وجنوبه، والمشرفة جغرافيا على طرق تقود نحو الساحل وباب المندب وعدن، تتحول إلى ساحة حرب مستمرة؟
ومن يتساءل عن الشعارات التي تُرفع من الحوثي باسم المقاومة ومواجهة إسرائيل وأمريكا، فليتأمل ما يحدث في تعز. فالسياسة لا تُقرأ بالشعارات وحدها، وإنما باتجاه القوة، وبالمجتمع الذي تتركه الحرب وراءها.
الحرب هنا لا تحاصر مدينة فقط؛ إنها تحاصر ذاكرتها.
تحاصر تعز التي عرفت نفسها بالكتاب والسوق والمدرسة والجامعة، وبالطريق المفتوح إلى بقية اليمن. مدينة لم تكن تسأل القادم إليها عن مذهبه قبل أن تفتح له أبوابها.
لذلك فإن الدفاع عن تعز ليس دفاعا عن جغرافيا فحسب، بل عن فكرة اليمن: دولة لا تُحكم بالسلالة أو المذهب أو المنطقة، ودولة يكون فيها الاختلاف طريقا إلى السياسة لا ذريعة للحرب.
وانتصار تعز على الفكرة المذهبية التي يريدها الحوثي ليس مجرد انتصار لمدينة محاصرة؛ بل هزيمة لمشروع يقوم على تقسيم اليمن، وانتصار يفتح الطريق أمام بقية المناطق الخاضعة لسطوة الميليشيات لاستعادة حقها في الدولة والمواطنة.
إنها سؤال اليمن كله.









