> باماكو «الأيام» العرب اللندنية:
تدخل منطقة الساحل الأفريقي مرحلة جديدة من إعادة تشكيل موازين النفوذ، مع تزايد التحركات العسكرية والدبلوماسية حول واحدة من أكثر المناطق حساسية في القارة، حيث تتقاطع المصالح الجزائرية والمغربية مع حسابات روسيا وتركيا والقوى الغربية، في بيئة أمنية تتسم بتراجع سلطة الدول واتساع نشاط الجماعات المسلحة.
وتكشف التطورات الأخيرة أن التنافس لم يعد محصوراً في مواجهة تنظيمات القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية، أو في معالجة تداعيات الانقلابات العسكرية التي شهدتها مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وإنما أصبح مرتبطاً أيضاً بالسيطرة على الممرات التجارية ومصادر الطاقة والذهب واليورانيوم، وبناء تحالفات سياسية وأمنية جديدة.
وتكتسب التحركات الجزائرية الأخيرة أهمية خاصة، بعدما وافق البرلمان الجزائري في 25 أكتوبر على نشر وحدات من الجيش في النيجر، في أول مهمة عسكرية خارج الحدود منذ مشاركة القوات الجزائرية في حرب أكتوبر 1973. وأعلنت الرئاسة الجزائرية أن الخطوة تستهدف حماية المصالح الاقتصادية ومنشآت الطاقة، دون تحديد حجم القوات أو موعد انتشارها. ولم يكن قد تأكد بدء الانتشار الفعلي عند إعلان القرار.
ويشير اختيار منطقة ماداما شمال النيجر، بالقرب من الحدود الليبية، إلى أهمية الموقع في الحسابات الأمنية والاقتصادية الجزائرية، خصوصاً أنه يتصل بمناطق إنتاج النفط والموارد الطبيعية، ويمثل امتداداً جغرافياً لممرات صحراوية تستخدمها شبكات التهريب والجماعات المسلحة.
ولا يمكن فصل القرار عن المصالح الجزائرية في مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي يربط نيجيريا بالنيجر والجزائر، ويستهدف توفير مسار إضافي لنقل الغاز الأفريقي إلى الأسواق الدولية، خصوصاً الأوروبية. كما تعمل شركة سوناطراك الجزائرية على مشاريع استكشاف وإنتاج النفط في النيجر، ما يجعل حماية الاستثمارات جزءاً من الحسابات الأمنية الجديدة.
ويمثل التحرك تحولاً في السياسة الجزائرية التقليدية التي ظلت تتحفظ على نشر قواتها خارج الحدود، لكنه يعكس أيضاً إدراكاً متزايداً بأن الاضطرابات في منطقة الساحل لم تعد تهديداً بعيداً يمكن احتواؤه عبر الوسائل الدبلوماسية وحدها، خصوصاً مع امتداد نشاط الجماعات المسلحة إلى المناطق الحدودية القريبة من الجزائر وليبيا.
وتتزامن هذه الخطوة مع تصاعد التوتر بين النيجر وتشاد، بعدما اتهمت نيامي القوات التشادية بتنفيذ هجوم بطائرة مسيرة في منطقة إيميلولو شمال النيجر، في 24 أكتوبر، أسفر وفق الرواية الرسمية النيجرية عن مقتل مدنيين وإصابة آخرين. واستدعت السلطات النيجرية السفير التشادي، وأعلنت عزمها إحالة القضية إلى مجلس الأمن والاتحاد الأفريقي، مطالبة بتحقيق دولي مستقل.
وتزداد حساسية الحادثة بسبب اتهام النيجر فرنسا بتقديم الدعم للعملية، وهو اتهام لم تثبته جهة مستقلة، لكنه يعكس مستوى التوتر بين نيامي وبعض القوى الإقليمية والدولية، في ظل القطيعة مع باريس وتراجع التعاون الأمني التقليدي.
وتضع هذه التطورات ليبيا أمام تحديات إضافية، إذ إن اتساع الاضطرابات في شمال النيجر وتشاد يهدد بزيادة الضغوط على حدودها الجنوبية، التي تعاني أصلاً من صعوبة الرقابة وانتشار شبكات تهريب السلاح والوقود والهجرة غير النظامية. كما أن تداخل هذه المسارات مع مناطق النفوذ العسكري في الجنوب الليبي يجعل أمن الساحل مرتبطاً بصورة متزايدة بالتوازنات داخل ليبيا نفسها.
لكن أحد أبرز أبعاد المشهد يتمثل في انتقال التنافس بين الجزائر والمغرب إلى عمق منطقة الساحل، بعد أن تجاوز الخلاف بين البلدين حدوده التقليدية المرتبطة بالصحراء الغربية والعلاقات المغاربية.
فالجزائر تحاول الحفاظ على موقعها باعتبارها طرفاً أمنياً وسياسياً رئيسياً في محيطها الجنوبي، مستندة إلى علاقاتها التاريخية مع دول المنطقة، وإلى ثقلها في ملفات الطاقة والحدود ومكافحة الإرهاب. وفي المقابل، يعمل المغرب على توسيع نفوذه عبر الدبلوماسية الاقتصادية والاستثمارات والبنية التحتية والتعاون الديني والتعليمي، مستفيداً من حاجة الدول الحبيسة إلى منافذ تجارية أكثر تنوعاً.
وتشكل المبادرة الأطلسية التي أطلقها العاهل المغربي الملك محمد السادس في ديسمبر 2023 إحدى أهم أدوات هذه الاستراتيجية. وتقوم على إتاحة المجال أمام دول الساحل، خصوصاً مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد، للوصول إلى المحيط الأطلسي عبر البنية التحتية والموانئ المغربية، بما يخفف من عزلتها الجغرافية ويفتح أمامها مسارات جديدة للتجارة الدولية.
وتحاول الرباط من خلال المشروع تقديم نفسها بوصفها شريكاً اقتصادياً قادراً على توفير بدائل عملية للدول التي لا تمتلك منافذ بحرية، مستفيدة من موقع ميناء الداخلة الأطلسي والمشاريع المرتبطة بتطوير شبكات النقل والطرق. ولا يقتصر الهدف على تسهيل الصادرات والواردات، بل يمتد إلى بناء علاقات اقتصادية طويلة الأمد تمنح المغرب حضوراً سياسياً متزايداً في غرب أفريقيا والساحل.
وتتقاطع المبادرة مع مشروع أنبوب الغاز الأفريقي الأطلسي الذي يربط نيجيريا بالمغرب، ويمر عبر عدد من دول غرب أفريقيا، بما يضع الرباط في موقع يسعى إلى الجمع بين التجارة والطاقة والربط اللوجستي.
وفي المقابل، تحاول الجزائر استعادة زخم علاقاتها مع دول الساحل، خصوصاً النيجر، عبر التعاون العسكري والاقتصادي ومشاريع الطاقة، بعدما شهدت علاقاتها مع مالي توترات حادة بسبب الخلافات الأمنية والاتهامات المتبادلة بالتدخل في الشؤون الداخلية.
ويشير هذا التنافس إلى أن دول المنطقة لم تعد مجرد أطراف تتلقى المبادرات الخارجية، بل أصبحت تمتلك مساحة للمناورة بين الشركاء، والاستفادة من التنافس على الاستثمارات والموانئ والطاقة والتسليح. وقد تختار بعض الحكومات التعاون مع الجزائر في الملفات الأمنية، والاستفادة من المبادرات الاقتصادية المغربية، دون أن يعني ذلك انحيازاً كاملاً إلى أحد الطرفين.
وعلى المستوى الدولي، يبرز تمدد روسيا بوصفه أحد أهم التحولات التي أعقبت انسحاب القوات الفرنسية والأميركية من عدد من دول المنطقة. فقد عززت موسكو تعاونها العسكري مع مالي والنيجر وبوركينا فاسو من خلال فيلق أفريقيا، مقدمة السلاح والتدريب والدعم العملياتي، مقابل توسيع نفوذها السياسي والاقتصادي.
لكن التجربة الروسية تواجه اختباراً صعباً، إذ لم يؤد تعزيز الوجود العسكري إلى احتواء الجماعات المسلحة، بل شهدت المنطقة خلال 2026 هجمات واسعة، شملت مالي، وأجبرت القوات الروسية على التراجع من بعض المواقع في شمال البلاد، فيما استمرت الجماعات المتشددة في توسيع نشاطها.
وتتحرك تركيا في مسار مختلف نسبياً، مستفيدة من علاقاتها العسكرية والاقتصادية مع دول غرب أفريقيا، ومن انتشار الطائرات المسيرة التركية والمعدات الدفاعية وبرامج التدريب، فضلا عن النفوذ المتزايد في ليبيا. وتمنح هذه السياسة أنقرة فرصة لبناء نفوذ لا يعتمد بالضرورة على انتشار عسكري واسع، وإنما على توفير التكنولوجيا والتسليح والتعاون التجاري.
أما القوى الغربية، وعلى الرغم من تراجع حضورها العسكري المباشر، فلا تزال تنظر إلى المنطقة باعتبارها مجالاً مهماً لأمن الطاقة ومكافحة الإرهاب وتأمين طرق التجارة، وهو ما يدفعها إلى البحث عن صيغ جديدة للتعاون مع الدول الأفريقية، بعيداً عن نماذج التدخل العسكري السابقة.
ويبقى العامل الأكثر تأثيراً في مستقبل الساحل هو اتساع نشاط الجماعات المسلحة، خصوصاً جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة، وتنظيم الدولة الإسلامية في الساحل. فقد استفادت هذه التنظيمات من ضعف المؤسسات الحكومية والنزاعات المحلية والفراغ الأمني لتوسيع نفوذها، وتهديد الطرق التجارية والمناطق الزراعية ومراكز إنتاج الموارد.
وتشير تقديرات مجلس العلاقات الخارجية الأميركي إلى أن منطقة الحدود الثلاثية بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو باتت مسؤولة عن أكثر من نصف الوفيات المرتبطة بالإرهاب عالمياً، في مؤشر على حجم التدهور الأمني الذي تواجهه المنطقة.
وبذلك، لا تبدو المنافسة في الساحل مجرد صراع تقليدي على النفوذ بين دول متجاورة أو قوى دولية متنافسة، وإنما عملية أوسع لإعادة رسم خرائط المصالح والتحالفات في أفريقيا. فالجزائر تراهن على الأمن والطاقة والحدود، والمغرب على الأطلسي والتجارة والبنية التحتية، بينما تحاول روسيا وتركيا توسيع حضورهما في الفراغ الغربي.
وفي ظل هذه المعادلة، تواجه دول الساحل اختباراً يتعلق بقدرتها على تحويل التنافس الخارجي إلى فرص للتنمية والاستقرار، بدلاً من أن تتحول أراضيها إلى ساحات مفتوحة لصراعات النفوذ وحروب الوكالة. فالمعركة على الساحل لم تعد فقط بشأن من يملك الحضور العسكري الأقوى، بل أيضاً من يستطيع بناء الممرات الاقتصادية وتأمين الموارد وصياغة شراكات تستمر بعد تبدل الحكومات والتحالفات.
وتكشف التطورات الأخيرة أن التنافس لم يعد محصوراً في مواجهة تنظيمات القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية، أو في معالجة تداعيات الانقلابات العسكرية التي شهدتها مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وإنما أصبح مرتبطاً أيضاً بالسيطرة على الممرات التجارية ومصادر الطاقة والذهب واليورانيوم، وبناء تحالفات سياسية وأمنية جديدة.
وتكتسب التحركات الجزائرية الأخيرة أهمية خاصة، بعدما وافق البرلمان الجزائري في 25 أكتوبر على نشر وحدات من الجيش في النيجر، في أول مهمة عسكرية خارج الحدود منذ مشاركة القوات الجزائرية في حرب أكتوبر 1973. وأعلنت الرئاسة الجزائرية أن الخطوة تستهدف حماية المصالح الاقتصادية ومنشآت الطاقة، دون تحديد حجم القوات أو موعد انتشارها. ولم يكن قد تأكد بدء الانتشار الفعلي عند إعلان القرار.
ويشير اختيار منطقة ماداما شمال النيجر، بالقرب من الحدود الليبية، إلى أهمية الموقع في الحسابات الأمنية والاقتصادية الجزائرية، خصوصاً أنه يتصل بمناطق إنتاج النفط والموارد الطبيعية، ويمثل امتداداً جغرافياً لممرات صحراوية تستخدمها شبكات التهريب والجماعات المسلحة.
ولا يمكن فصل القرار عن المصالح الجزائرية في مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي يربط نيجيريا بالنيجر والجزائر، ويستهدف توفير مسار إضافي لنقل الغاز الأفريقي إلى الأسواق الدولية، خصوصاً الأوروبية. كما تعمل شركة سوناطراك الجزائرية على مشاريع استكشاف وإنتاج النفط في النيجر، ما يجعل حماية الاستثمارات جزءاً من الحسابات الأمنية الجديدة.
ويمثل التحرك تحولاً في السياسة الجزائرية التقليدية التي ظلت تتحفظ على نشر قواتها خارج الحدود، لكنه يعكس أيضاً إدراكاً متزايداً بأن الاضطرابات في منطقة الساحل لم تعد تهديداً بعيداً يمكن احتواؤه عبر الوسائل الدبلوماسية وحدها، خصوصاً مع امتداد نشاط الجماعات المسلحة إلى المناطق الحدودية القريبة من الجزائر وليبيا.
وتتزامن هذه الخطوة مع تصاعد التوتر بين النيجر وتشاد، بعدما اتهمت نيامي القوات التشادية بتنفيذ هجوم بطائرة مسيرة في منطقة إيميلولو شمال النيجر، في 24 أكتوبر، أسفر وفق الرواية الرسمية النيجرية عن مقتل مدنيين وإصابة آخرين. واستدعت السلطات النيجرية السفير التشادي، وأعلنت عزمها إحالة القضية إلى مجلس الأمن والاتحاد الأفريقي، مطالبة بتحقيق دولي مستقل.
وتزداد حساسية الحادثة بسبب اتهام النيجر فرنسا بتقديم الدعم للعملية، وهو اتهام لم تثبته جهة مستقلة، لكنه يعكس مستوى التوتر بين نيامي وبعض القوى الإقليمية والدولية، في ظل القطيعة مع باريس وتراجع التعاون الأمني التقليدي.
وتضع هذه التطورات ليبيا أمام تحديات إضافية، إذ إن اتساع الاضطرابات في شمال النيجر وتشاد يهدد بزيادة الضغوط على حدودها الجنوبية، التي تعاني أصلاً من صعوبة الرقابة وانتشار شبكات تهريب السلاح والوقود والهجرة غير النظامية. كما أن تداخل هذه المسارات مع مناطق النفوذ العسكري في الجنوب الليبي يجعل أمن الساحل مرتبطاً بصورة متزايدة بالتوازنات داخل ليبيا نفسها.
لكن أحد أبرز أبعاد المشهد يتمثل في انتقال التنافس بين الجزائر والمغرب إلى عمق منطقة الساحل، بعد أن تجاوز الخلاف بين البلدين حدوده التقليدية المرتبطة بالصحراء الغربية والعلاقات المغاربية.
فالجزائر تحاول الحفاظ على موقعها باعتبارها طرفاً أمنياً وسياسياً رئيسياً في محيطها الجنوبي، مستندة إلى علاقاتها التاريخية مع دول المنطقة، وإلى ثقلها في ملفات الطاقة والحدود ومكافحة الإرهاب. وفي المقابل، يعمل المغرب على توسيع نفوذه عبر الدبلوماسية الاقتصادية والاستثمارات والبنية التحتية والتعاون الديني والتعليمي، مستفيداً من حاجة الدول الحبيسة إلى منافذ تجارية أكثر تنوعاً.
وتشكل المبادرة الأطلسية التي أطلقها العاهل المغربي الملك محمد السادس في ديسمبر 2023 إحدى أهم أدوات هذه الاستراتيجية. وتقوم على إتاحة المجال أمام دول الساحل، خصوصاً مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد، للوصول إلى المحيط الأطلسي عبر البنية التحتية والموانئ المغربية، بما يخفف من عزلتها الجغرافية ويفتح أمامها مسارات جديدة للتجارة الدولية.
وتحاول الرباط من خلال المشروع تقديم نفسها بوصفها شريكاً اقتصادياً قادراً على توفير بدائل عملية للدول التي لا تمتلك منافذ بحرية، مستفيدة من موقع ميناء الداخلة الأطلسي والمشاريع المرتبطة بتطوير شبكات النقل والطرق. ولا يقتصر الهدف على تسهيل الصادرات والواردات، بل يمتد إلى بناء علاقات اقتصادية طويلة الأمد تمنح المغرب حضوراً سياسياً متزايداً في غرب أفريقيا والساحل.
وتتقاطع المبادرة مع مشروع أنبوب الغاز الأفريقي الأطلسي الذي يربط نيجيريا بالمغرب، ويمر عبر عدد من دول غرب أفريقيا، بما يضع الرباط في موقع يسعى إلى الجمع بين التجارة والطاقة والربط اللوجستي.
وفي المقابل، تحاول الجزائر استعادة زخم علاقاتها مع دول الساحل، خصوصاً النيجر، عبر التعاون العسكري والاقتصادي ومشاريع الطاقة، بعدما شهدت علاقاتها مع مالي توترات حادة بسبب الخلافات الأمنية والاتهامات المتبادلة بالتدخل في الشؤون الداخلية.
ويشير هذا التنافس إلى أن دول المنطقة لم تعد مجرد أطراف تتلقى المبادرات الخارجية، بل أصبحت تمتلك مساحة للمناورة بين الشركاء، والاستفادة من التنافس على الاستثمارات والموانئ والطاقة والتسليح. وقد تختار بعض الحكومات التعاون مع الجزائر في الملفات الأمنية، والاستفادة من المبادرات الاقتصادية المغربية، دون أن يعني ذلك انحيازاً كاملاً إلى أحد الطرفين.
وعلى المستوى الدولي، يبرز تمدد روسيا بوصفه أحد أهم التحولات التي أعقبت انسحاب القوات الفرنسية والأميركية من عدد من دول المنطقة. فقد عززت موسكو تعاونها العسكري مع مالي والنيجر وبوركينا فاسو من خلال فيلق أفريقيا، مقدمة السلاح والتدريب والدعم العملياتي، مقابل توسيع نفوذها السياسي والاقتصادي.
لكن التجربة الروسية تواجه اختباراً صعباً، إذ لم يؤد تعزيز الوجود العسكري إلى احتواء الجماعات المسلحة، بل شهدت المنطقة خلال 2026 هجمات واسعة، شملت مالي، وأجبرت القوات الروسية على التراجع من بعض المواقع في شمال البلاد، فيما استمرت الجماعات المتشددة في توسيع نشاطها.
وتتحرك تركيا في مسار مختلف نسبياً، مستفيدة من علاقاتها العسكرية والاقتصادية مع دول غرب أفريقيا، ومن انتشار الطائرات المسيرة التركية والمعدات الدفاعية وبرامج التدريب، فضلا عن النفوذ المتزايد في ليبيا. وتمنح هذه السياسة أنقرة فرصة لبناء نفوذ لا يعتمد بالضرورة على انتشار عسكري واسع، وإنما على توفير التكنولوجيا والتسليح والتعاون التجاري.
أما القوى الغربية، وعلى الرغم من تراجع حضورها العسكري المباشر، فلا تزال تنظر إلى المنطقة باعتبارها مجالاً مهماً لأمن الطاقة ومكافحة الإرهاب وتأمين طرق التجارة، وهو ما يدفعها إلى البحث عن صيغ جديدة للتعاون مع الدول الأفريقية، بعيداً عن نماذج التدخل العسكري السابقة.
ويبقى العامل الأكثر تأثيراً في مستقبل الساحل هو اتساع نشاط الجماعات المسلحة، خصوصاً جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة، وتنظيم الدولة الإسلامية في الساحل. فقد استفادت هذه التنظيمات من ضعف المؤسسات الحكومية والنزاعات المحلية والفراغ الأمني لتوسيع نفوذها، وتهديد الطرق التجارية والمناطق الزراعية ومراكز إنتاج الموارد.
وتشير تقديرات مجلس العلاقات الخارجية الأميركي إلى أن منطقة الحدود الثلاثية بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو باتت مسؤولة عن أكثر من نصف الوفيات المرتبطة بالإرهاب عالمياً، في مؤشر على حجم التدهور الأمني الذي تواجهه المنطقة.
وبذلك، لا تبدو المنافسة في الساحل مجرد صراع تقليدي على النفوذ بين دول متجاورة أو قوى دولية متنافسة، وإنما عملية أوسع لإعادة رسم خرائط المصالح والتحالفات في أفريقيا. فالجزائر تراهن على الأمن والطاقة والحدود، والمغرب على الأطلسي والتجارة والبنية التحتية، بينما تحاول روسيا وتركيا توسيع حضورهما في الفراغ الغربي.
وفي ظل هذه المعادلة، تواجه دول الساحل اختباراً يتعلق بقدرتها على تحويل التنافس الخارجي إلى فرص للتنمية والاستقرار، بدلاً من أن تتحول أراضيها إلى ساحات مفتوحة لصراعات النفوذ وحروب الوكالة. فالمعركة على الساحل لم تعد فقط بشأن من يملك الحضور العسكري الأقوى، بل أيضاً من يستطيع بناء الممرات الاقتصادية وتأمين الموارد وصياغة شراكات تستمر بعد تبدل الحكومات والتحالفات.












