وللأيام صحافتها ومدرستها، من لم يُحسن قراءة عناوينها، خانته التفاصيل في منتصف الطريق. ففي هذا الزمن الذي تتكالب فيه الأحداث وتتسارع فيه الفصول، لا يكفي أن تكون شاهدًا، بل يجب أن تكون قارئًا جيدًا، ومُحلّلًا واعيًا، وتلميذًا نبيهًا في مدرسة الحياة التي لا تُعلن عن جدول امتحاناتها مُسبقًا.
في عدن، كما في سائر مدن الجنوب، لا تتوقف الأيام عن تعليمنا دروسها. تكتب صحافتها بمداد من وجع، وتملي علينا مناهجها بتقلبات السياسة وضجيج الواقع، وكأنها تقول لنا: "افهموني، قبل أن تكتبوا عني." لكن كم من كاتبٍ أضاع بوصلة الحقيقة، وكم من قارئٍ قرأ بعين العاطفة لا بعين العقل، فخرج من المدرسة بدرجة اجتهاد، لا بدرجة وعي.
ولأن الصحافة مرآة الشعوب، فإن صحافة الأيام ليست حبرًا على ورق، بل هي شهادة نُسجت من دموع الأمهات، وأنين الجياع، وصبر المقهورين. ولأن المدرسة الحقيقية هي الواقع، فإن كل من لم يتخرج من فصول المعاناة لن يُدرك قيمة الكلمة، ولا ثقل المسؤولية التي يحملها القلم.
في الجنوب، ما زال الإعلام يتأرجح بين ضمير الحياد ومغريات التحيّز، بين صوت الشعب وهمسات السلطة، بين نبض الشارع ومطامع الطامحين. والمؤلم أن بعض الأقلام لم تعد ترى في الصحافة إلا وسيلة للنجاة الشخصية أو التربّح السياسي، لا منبرًا للحق ولا صوتًا لمن لا صوت لهم.
مدرسة الأيام لا تقبل الغش، ولا تمنح شهادات مجانية. تفضح المتسلقين، وتُكافئ الصادقين، وتُعلّمنا – مع كل منعطف – أن الموقف أشد بلاغة من المقال، وأن الصمت أحيانًا أصدق من ألف تصريح.
فليكتب كلٌّ منا ما يشاء، لكن ليعلم أن الأيام تُراجع مقالاتنا، وتضع عليها ملاحظاتها بقلم الزمن. وبعض تلك الملاحظات لا تُمحى أبدًا.
فيا أهل القلم:
لا تجعلوا من الكلمة سلعة، ولا من الحقيقة وجهًا قابلاً للتأجير. تذكّروا أن كل حرف يُكتب في زمن الألم إما أن يُداوي أو يزيد الجرح عمقًا. وأن مهنة الصحافة، مهما تغيّر الزمن، تبقى شرفًا لا يُحمله إلا من أخلص، لا من احترف التلوّن.
ويا من تتابعون وتقرؤون:
لا تصدّقوا كل ما يُقال، ولا تُصفقوا لكل من يصرخ. فتحت ركام الأخبار، هناك حقائق مخنوقة، وتحت عباءة بعض الكتّاب، هناك مآرب لا تُقال. ميزوا بين من يكتب من قلبه، ومن يكتب لأجندة. فأنتم شركاء في صناعة الرأي، وأنتم من يُعطي للكلمة وزنها أو يُسقطها في الفراغ.
إن صحافة الأيام مدرسة، لا يتخرج منها إلا من صدق مع نفسه أولاً، ثم مع الناس.