السبت, 05 أبريل 2025
188
من المعاني الحبيبة إلى نفسي والتي ظلت ومازالت تلازمني في كل مراحل ومحطات حياتي، معنى الأمل، بكل أشكاله العادية والفريدة وأبعاده القريبة والبعيدة، الأمل الذي يشبه ابتسامة الربيع الخضراء على شفاه الخريف اليابسة، الأمل الذي ينسكب قطرة من سماء الفكر والنفس معاً على صفحة ليلهما القاتم فيحيله إلى أبهى نهار، الأمل في جميع حالاته وتجلياته. ولا أذكر أنني وضعت خطوة واحدة في دروب حياتي دون أن ألحقها بخطوة أمل تصاحبها نحو غاياتها المرسومة، ودليلي في ذلك بيت الطغرائي المشهور:
أعللُ النفسَ بالآمال أرقبها
ما أضيقَ العيشَ لولا فسحةُ الأملِ
لذلك فقد بقيت فسحة الأمل تتسع في نفسي حتى صارت بساتين وحدائق غنّاء، فلم أعد أعبأ باليأس وضرامه ولا بالشقاء وأيامه، لم أعد أحتفِ إلا بالأمل والرجاء، حتى في لحظات الحزن كنت أستنجد بالأمل ليكون منفذاً إلى رحاب التفاؤل، فيتبدد شعور الانكسار إلى أعظم مشاعر الانتصار، لأن الأمل هو السلاح الذي نقاوم به ضربات الأسى والتعب، وهو ( شعاع ضوء نخلقه في نفوسنا في لحظة ضعف ) فيمنحنا القوة لكي نواصل مسيرة الحياة مقبلين على كل شيء جميل فيها رغم المتاعب والأوجاع.
السؤال الذي يمكن طرحه هنا هو : كيف نستطيع امتلاك الأمل ؟ وهل في مقدور كل إنسان أن يعيش بالأمل ؟ في اعتقادي أن تحقيق هذا الأمر مرتبط أولاً بطبع وطبيعة الإنسان نفسه، ثم بالتفكير وبكيفية النظر إلى الواقع ومعرفته ومعالجة ظروفه المتغيرة، والتعامل مع جميع حالاته بإيجابية تامة، ومنها حالات اليأس التي قد تصيب المرء في لحظات معينة؛ ولذلك يكون الأمل هو المنفذ الوحيد من ظلام القنوط والشقاء إلى صباح الاستبشار والسعادة .
قد يقول قائل إنه لا بد من المتاعب، وليس من المعقول أن تمر مواكب الحياة في خط واحد وبوتيرة واحدة دون عثرات أو منحنيات، أو حتى توقف، أقول : نعم، ولكن الأمل هو ما يدفعنا دائماً إلى مواصلة المسير، وعدم التراجع أمام ما يعترضنا من عقبات وصعوبات، لكي نستمر في مد الخطى ونواصل التقدم نحو مرامينا التي نصبو إليها، قاطعين مفازات الليالي وقفارها الموحشة مرتقبين من ورائها بزوغ بصيص من نور الفجر، وقديماً قال الشاعر:
وأشتاقُ فجراً لاحَ بعد تسهُّدٍ
كما لاحَ يجلو بأسَنا الأملُ الأنوَرْ
وهناك أمر غاية في الأهمية ينبغي على المرء أخذه في الاعتبار وعدم التهاون فيه، وهو أن الأمل بمفهومه التفاؤلي الذي تنشرح به الصدور وتطيب الخواطر لا تتحقق تأثيراته الإيجابية علينا ولا تُجنى ثمراته الطيبة إلا إذا ارتبط بالعمل، وإلا لبقيَ سراباً كاذباً في أراضي نفوسنا وبرقاً خلباً في سماوات حياتنا، ولبقينا متمسكين بخيوط من الأوهام الواهية، ونحن نظن عن جهل أننا نحسن صنعاً ما دمنا مفعمين بالأمل، بينما نحن في الحقيقة نستنزف أعمارنا دون طائل . ليس الأمل أن نصم آذاننا عن نداءات تتصاعد من وراء جبال المشقات، أو نتقي لفح هجير النهارات اللاهبة، أو حتى نشيح بأبصارنا عن أي دخان يتصاعد من جمار الكفاح المتوقدة، معتقدين أن الأمل هو برد وسلام لقلوبنا، وهو قطرة من إكسير سحري عجيب يحيل خريف الفكر الجاف إلى ربيع دائم الخضرة يصبح معه العمر مواسم خصب ونماء، كلا .. الأمل هو وقود رحلة الحياة، ومشكاة تنير الطريق للمدلجين في شعابها المعتمة، وهو نبض الاجتهاد الذي لا يتوقف حتى لحظات بلوغ المنى، ولعمري لا تُبلَغُ الأماني إلا بالأمل والعمل معاً. لولا العمل لجفت ينابيع الأمل، فالعمل هو النبع الدافق الذي ترتوي منه كل أرض بور، وهو في ظلمات النفوس مثل عين النور، به تشرق ومن انبجاساته تضيء ويكون لحياتها ألف معنًى ومعنى . حتى الطموح لا بد لأصحابه من الأمل الذي يدفعهم في رحلة وثوبهم نحو أهدافهم السامية، وقديماً قلت:
إذا طمحتَ فلا تنظُر لأوديةٍ
وقُم وعانِقْ بأيدي النظرةِ السُّحُبا
فإنما المرءُ تُعليهِ مطامحُه
وتستجيبُ المعالي للذي وثَبا
بقيت كلمة وهي أن الأمل يجمِّل الحياة في عيوننا ويجعلنا نحبها، بل ونحرص على التشبث بها وفعل الخير لأوطاننا ومجتمعاتنا، والأمل عون لنا على مصاعب وأتعاب الحياة، نتمسك به لكي نصل إلى أوطارنا، ونصبر على الكثير من المشقات أملاً في زوالها، فما أحوجنا بل ما أشد حاجتنا في كل حياتنا إلى الأمل، إنه النور الذي يمحو سوداوية العقول والنفوس، ويقودنا نحو واحات النجاح والاطمئنان، وبه تتبدد أسداف اليأس والأحزان، لتشرق شمس خير وسعادة الإنسان، في كل زمان ومكان.