في الأعوام الأخير وعلى إثر التسهيلات التي قدمتها المملكة لمواطني الدول الأجنبية لزيارة المملكة في سياق رؤية المملكة الاقتصادية 2030 بهدف تعظيم مواردها من السياحة الدينية وغير الدينية، فقد أصبحت تأدية فريضة الحج أو العمرة تتم بسهولة ويسر وتنجز إلكترونيا بدون صعوبات أو تعقيدات.

منظومة الإصلاحات هذه جذبت الملايين من المسافرين القادمين إلى السعودية سنويا وانعكس بشكل مباشر في نمو أعداد المسافرين إلى المملكة لأهداف دينية.

يبدو أن أثر هذه الإجراءات السعودية في النطاق اليمني كانت أكثر تجليا لنواحي دينية من ناحية وقرب اليمن الجغرافي من المملكة من ناحية أخرى، لذلك عدد اليمنيين الذي سافروا أو في طريقهم للسفر إلى بيت الله الحرام لتأدية العمرة في 2024 ومطلع العام الحالي 2025 يصل إلى عشرات الآلاف من الناس ومن الجنسين، وهو عدد غير مسبوق على الرغم من تعاظم الفقر والفاقة وانحدار الوضع الإنساني، ويمكن قياس ذلك من حركة السفر اليومية وازدحام أعداد المسافرين.

بدون مبالغة فإن عدد المسافرين لتأدية فريضة العمرة أسبوعيا سواء برا عبر منفذ الوديعة أو جوا عبر اليمنية يصل الرقم إلى الآلاف من المواطنين والزحام لايزال مستمرا بوتيرة عالية جدا سواء أفراد أو أسر بكاملها.

هذا العدد الكبير من المسافرين يوميا إلى مكة المكرمة لتأدية فريضة العمرة ربما لم يسجله في سنوات السلام وهو أمر غريب، وأعتقد أن الحرب ببشاعتها وكوابيسها تدفع الناس إلى التضرع إلى الله والدعاء والتقرب منه.

تأتي هذه الأعداد الغفيرة من الشمال والجنوب ومعظمهم يمرون عبر العاصمة عدن ويحجزون سفرهم عبر وكالات السفر المتواجدة فيها كما يقومون بإجراء عملية التحويل المالي من الريال اليمني إلى الريال السعودي في أسواق الصرف في العاصمة المؤقتة عدن وفي غيرها من المدن التي تقع تحت إدارة حكومة الشرعية، ولهذا السبب بالذات وأسباب أخرى يرتفع الطلب على الريال السعودي وهو ما يعني أيضا ارتفاع الطلب في سوق الصرف الأجنبي على الدولار بحكم ارتباط الريال السعودي بسعر ثابت بالدولار.

في بلادنا لا يوجد تنظيم أو تقنين على الناس الذين يرغبون بالسفر إلى مكة المكرمة لتأدية فريضة العمرة وقد سبق أن أدوها فإجراء كهذا يثير حساسية مفرطة ومحرم شرعا وممنوع قانونا بقطع النظر عن المبررات الاقتصادية سواء حدث ذلك في السابق أو في ظل وضع الحرب والأزمة الاقتصادية الخانقة التي نعيشها.

أما بالنسبة لفريضة الحج فهي مقننة من المملكة البلد المضيف للسياحة الدينية، إذ إن عدد الحجاج القادمين من اليمن محدد منذ سنوات يجب أن لا يزيد عن 24 ألف حاج سنويا على الرغم من النمو السكاني الذي حدث، حيث إن التقنين في عدد الحجاج يأخذ بعين الاعتبار حجم القدرة الاستيعابية للمملكة للحجيج القادم من مختلف البلدان الإسلامية وغير الإسلامية لتأدية فريضة الحج، فيما أعداد القادمين لتأدية العمرة مفتوحة وغير مقننة من جانب البلد المضيف.

مرة أخرى، العمرة في بلادنا أيضا مفتوحة بما في ذلك بالنسبة لأولئك الذين قد سبق أن سافروا لتأديتها مرات، ولهذا بعض الأفراد يسافرون أكثر من مرة خلال العام لتأدية العمرة أو لزيارة أهاليهم المقيمين في المملكة أن كانوا مقتدرين على ذلك على الرغم مما يشكله ذلك من زيادة الضغط على الطلب على العملات الأجنبية في الأسواق اليمنية التابعة للشرعية، فالمنطق الاقتصادي في بلادنا لا يأخذ في الاعتبار لأسباب جرى ذكرها.

في مصر مثلا السفر لتأدية العمرة ليس مفتوحا لكل الناس وإنما بالدور وهو منظم ومقنن لدواعي اقتصادية.

ويمكن القول في المحصلة إن الأموال التي تدخل اليمن بالريال السعودي سواء على شكل رواتب لبعض وحدات الجيش المدعومة سعوديا أو في صورة تحويلات للمغتربين العاملين في المملكة يعود الجزء الأكبر منها إلى المملكة السعودية ذاتها.

للأسف لا توجد أرقام دقيقة حول حجم التسرب من العملات الأجنبية من الاقتصاد الوطني إلى الخارج يمكن القياس عليها سواء عبر السياحة الدينية أو تلك التي تتسرب للخارج لأغراض صحية وإجراء العمليات الجراحية، لكن حجم هذه الأموال المتسربة سنويا للخارج لدوافع دينية أو مرضية وغيرها تقدر بمئات الملايين من الدولارات، وهذا يشكل واحدًا من العوامل الرئيسية التي ترفع الطلب على الدولار في سوق الصرف الأجنبي خاصة في ظل انحسار التحويلات الخارجية إلى الداخل وغياب الاستثمارات الخارجية في الاقتصاد اليمني في ظل الأزمة، وفي النتيجة هذا ما قد يفسر بين عوامل أخرى التدهور المستمر في قيمة العملة الوطنية في مبادلاتها أمام العملات الأجنبية.