على مدى أكثر من نصف قرن عاش اليمن والجنوب العربي تجارب سياسية متباينة بين وضع الدولتين والوحدة، تركت كل منهما بصماتها العميقة على مسار البلدين ومصير شعبيهما.
شهدت هذه الفترات حروبًا وصراعات سياسية وخسائر بشرية ومادية في كلا النظامين، مما يفترض وضع التساؤل حول ما إذا كانت الوحدة التي فقدت سردية اليمن الواحد التاريخي كل حججها فعلاً، هل حققت الوحدة الاستقرار الموعود الذي يتغنى به بعض منظريها، أم أن الدولتين، كانتا أقل كلفة على الشعبين؟
هنا مراجعة موضوعية للمعطيات التاريخية، بعيدًا عن أي مواقف مسبقة، لتكون شاهدًا على مسيرة البلدين والشعبين خلال هذه العقود.
نعم أقولها، كانت هناك صراعات وحروب محدودة في زمن الدولتين حتى قبل ذلك، عندما بدأت تجربة الدولتين مع نشوء الدولتين المتجاورتين الجمهورية العربية اليمنية في اليمن 1962م، وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في الجنوب عام 1967م، هذه الحقبة، التي امتدت من 1967 إلى 1990، أظهرت انقسامًا أيديولوجيًا بين نظام قبلي في اليمن، ونظام يساري في الجنوب، ومع ذلك كانت الصراعات بينية وحروب محدودة في زمن الدولتين.
أولا - شهدت هذه المرحلة نزاعين حدوديين كبيرين:
حرب 1972 وحرب 1979، وكلاهما انتهت بمبادرات عربية، كما عان كل نظام صراعاته الخاصة وحروبه الداخلية، ففي اليمن كانت حرب الملكيين والجمهوريين (1962 - 1970) والمعارك الطائفية في الصف الجمهوري (1968)، ثم حروب المناطق الوسطى التي استعرت بعد مقتل إبراهيم الحمدي، كانت تقديرات ضحايا حروب الملكيين والجمهوريين بأكثر من 250,000 قتيل، فيما كانت أعداد ضحايا المعارك الطائفية وحروب المناطق الوسطى بعشرات الآلاف.
ثانيا - لم يكن الإرهاب ظاهرة حاضرة أو حتى موجودة قبل 1990، إذ كانت النزاعات تعكس طابعًا سياسيًا وعسكريًا تقليديًا أكثر من كونها حروبًا شاملة أو فوضى منظمة.
في 22 مايو 1990، تم الانتقال إلى نظام الوحدة بين الدولتين، وهو ما رأى فيه حتى اليوم بعض القادة المتيمننين "مخرجًا من الصراعات" التي أنهكت الشعبين خلال زمن الدولتين، لكن هذا الطموح سرعان ما واجه تحديات هائلة، بعد أربع سنوات فقط، اندلعت حرب 1994 بين اليمن والجنوب، بعد سلسلة من عمليات اغتيال منظمة تمت ضد قادة جنوبيين قامت بها عناصر قيل أنها إسلامية بتخطيط من مخابرات علي صالح، وانتهت بفرض الوحدة بالقوة في 1994، مخلفةً ما بين 7,000 إلى 10,000 قتيل من الطرفين ودمارًا في عدن ومدن أخرى.
أما الإرهاب فقد دشن عملياته الإرهابية في 29 ديسمبر 1992م بالهجومين على فندقي جولد مور وموفمبيك في عدن، تلتها بعد ذلك عمليات خطف سيّاح وقتل القادة الجنوبيين في صنعاء وتوجت بعملية تفجير المدمرة الأمريكية "يو. إس كول" في ميناء عدن في 2002م، ثم مقتل أمريكيين في مستشفى جبلة بمحافظة إب، والتفجير الانتحاري في مأرب الذي أودى بحياة 8 سياح إسبان وسائقين يمنيين 2006م، والهجوم على السفارة الأمريكية في صنعاء، الذي قتل فيه 19 شخصًا في 2008م، وحادث ميدان السبعين ومحاولة اغتيال الرئيس هادي في مستشفى العرضي، وهناك عدد آخر كبير من عمليات الإرهاب الذي استهدف ضباط وقادة جنوبيين بعد 2007.
وكانت حروب صعدة الستة بين 2004 و2010، على إثر النزاع بين حكومة صنعاء والحوثيين، أودت بحياة 10,000 إلى 20,000 قتيل، لكن التحول الأكبر في الحروب جاء في 2014 عندما سيطر الحوثيون على صنعاء، ما أدى إلى انفجار المعارك في 19 مارس 2015 بين المقاومة الجنوبية والأمن المركزي في معسكر الصولبان في عدن، ثم جاء تدخل التحالف العربي في 26 مارس 2015 وانزلاق الوضع إلى حرب أهلية مستمرة حتى اليوم في 2025م.
هذه الحرب التي تعد الأعنف في تاريخ البلدين الحديث، خلّفت ما يصل إلى 350,000 إلى 500,000 ضحية، بين قتلى مباشرين وغير مباشرين نتيجة الجوع والمرض، وفقًا لتقديرات الأمم المتحدة ومنظمات دولية.
أما الإرهاب فقد أصبح أيضًا سمة بارزة في زمن الحرب الحالية، مع ظهور تنظيمات إرهابية من الأيام الأولى للحرب في المكلا وعزان، ظهرت علنًا بعد تسليم قوات علي صالح المكلا للقاعدة، ولاحقًا ظهرت داعش، ثم أنصار الشريعة لم يسلم الأبرياء من هجمات هذه الجماعات التي استهدفت الجنوبيين وقادتهم وعلى رأسهم محافظ عدن جعفر محمد سعد في ديسمبر 2015، إلى جانب استهداف الحوثيين لمدن جنوبية مجاورة بصواريخ ومسيرات، زادت الفوضى في هذه الحرب، فكان الدمار المادي هائلاً، وتم تدمير جزءًا كبيرًا من البنية التحتية، انهيار الاقتصاد، ونزوح أكثر من 4 ملايين شخص، مع تفاقم الأوضاع بسبب الكوارث الطبيعية مثل الفيضانات.
- في ظل الدولتين شهدتا نزاعين حدوديين وحروبًا داخلية متقطعة، بينما الوحدة شهدت حروبًا أهلية متتالية، أطولها وأعنفها منذ 2015م.
- الإرهاب كان غائبا تقريبًا في حقبة الدولتين، لكنه تفشى في ظل الوحدة مع تنامي الجماعات المتطرفة المدعومة من أحزاب السلطة وعلى رأسها حزب الإصلاح الإخواني وزادت وتيرة العمليات الإرهابية مع الحرب.
- الضحايا.. متوسط الخسائر البشرية السنوية في زمن الدولتين كانت محدودة في الصراع بين الدولتين مقابل عشرات الآلاف في زمن الوحدة، مع ارتفاع القتلى في العقد الأخير بشكل كبير، ثم إن الدمار بقي محدودًا وموضعيًا في حدود الدولتين، بينما أصبح شاملاً في عصر الوحدة، مع تراجع التنمية البشرية لعقود.
وهنا إذا تأملنا في المسار التاريخي بين وضع الدولتين ووضع الوحدة، التي رأى فيها بعض القادة ولا زالوا، حلاً للصراعات المزمنة، فأنها لم تحقق لا الاستقرار المأمول ولا التنمية المنتظرة، بل أدخلت الشعبين في زمن الكوارث والمجاعات.
وعليه يمكن القول دون تردد، أن زمن الدولتين، مع صراعاتها وتوتراتها، أقل تكلفة بشريًا ودمارًا، مع أنها لم تكن خالية من العيوب والأخطاء، إذ دفع الشعبان ثمن الاستقطاب الإقليمي والدولي، أما في زمن الوحدة، فتحولت إلى ساحة لصراعات داخلية وخارجية، جعلت البلدين (اليمن والجنوب) رهينتي التدخلات والفوضى.
هذه القراءة فقط للتذكير ولتوثيق الحقائق كما حدثت، فتاريخ البلدين خلال هذه العقود يظهر أن النظامين كلاهما كانا غير مؤهلين للتنازل لبعضهما وأن روح الهيمنة والتسلط كانت دائما لدى الطرف الأقوى، جعلته أول ما يفكر في كيف إقصاء الآخر، ثم أن الحكم ظل مسألة معقدة في ظروف الوحدة تتنازعها مراكز عدة في صنعاء.