​في الوقت الذي كانت فيه آمال شعب الجنوب تطمح إلى تحقيق مشروع وطني يعيد للجنوب كرامته وسيادته في وقت قصير بعد تحرير عدن، نجد أنفسنا اليوم أمام واقع مرير يتسم بالمناورة بالمبادئ وتراجع القيم النضالية، حيث لعبت ملذات الحياة وضعف الإرادة دوراً كبيراً في إسقاط كثير من المناضلين الذين كنا نعدّهم يوماً رموزاً للثبات والصمود.

المشهد السياسي الجنوبي يطفح بمفارقات مؤلمة؛ بين قيادات تدّعي تبني قضايا الشعب وهي في الواقع تمارس دوراً مزدوجاً يخدم أعداء الجنوب، وبين مكونات سياسية تتماهى مع مشاريع يمنية وخارجية لا تمت بصلة إلى طموحات الشعب الجنوبي ولا إلى نضالاته الممتدة لعقود.

إن هذا التماهي الخطر ليس مجرد خيانة سياسية فحسب، بل هو خيانة لقيم الثورة التي دفع أبناء الجنوب أثماناً باهظة من أجلها.

لقد بات واضحاً أن بعض القيادات الجنوبية وبعض المكونات السياسية الأخرى المتدثرة برداء الجنوب لم تكن سوى أدوات لتحقيق مصالح شخصية أو فئوية، على حساب المشروع الوطني، تلك القيادات التي فقدت بريقها المزيّف مع أول اختبار حقيقي، وظهرت على حقيقتها حين تعرت أمام الشعب، الذي بات يدرك تماماً أن النضال ليس مجرد شعارات تُرفع في الميادين، بل أفعال وتجسيد للمبادئ على أرض الواقع.

إننا لا نكتب هنا من باب التشهير أو شيطنة أحد، ولكن من منطلق الحرص على مستقبل الجنوب الذي تحوم حوله المؤامرات بسبب ضعف و فساد بعض النخب السياسية التي وضعت نفسها في خدمة أعداء الجنوب.

لقد أضحت هذا النخب عبئاً على القضية الجنوبية بعد أن لوثت جوهر الثورة بفسادها وبلطجة المتسلقين الذين يتحدثون باسم الجنوب، بينما هم في الحقيقة لا يمثلون إلا مصالحهم الشخصية الضيقة.

إن شعب الجنوب الذي صبر طويلاً وناضل بشجاعة، لن يقبل بعد اليوم أن تكون قضيته العادلة رهينة بأيدي من لا يستحقون تمثيله، فالصمت على فساد هذه القيادات واستمرارها في مواقعها يعني مزيداً من التراجع والانكسار لمشروعنا الوطني، بل يعني أيضاً خيانة لكل شهيد وجريح ومعتقل ضحى من أجل الجنوب.

المرحلة الحالية تتطلب وقفة شعبية جادة، تتطلب إعادة تقييم شاملة، وتطهيراً حقيقياً لصفوف القيادات السياسية. يجب أن يكون هناك حوار وطني نزيه يعيد ترتيب الأولويات ويعيد تسليم القيادة لمن يستحقها، بعيداً عن الحسابات الشخصية والمصالح الفئوية.

الجنوب بحاجة إلى قيادات نزيهة وشجاعة، قيادات تؤمن بأن القضية الجنوبية ليست مجرد ورقة ضغط سياسي أو وسيلة لتحقيق مكاسب آنية، بل هي قضية وجود وهوية وكرامة، لن يتحقق النصر إلا عندما يتحرر الجنوب من قيود الفساد ومن براثن القيادات التي أضاعت البوصلة.