لقد خلقنا الله من ترابٍ واحدٍ، لم يكن ذلك عبثًا، بل حكمة خفية تضيء في أعماقنا، كلما نظرنا إلى أصلنا بتأمل. هذا الطين، الذي نمشي عليه، هو ذاته الذي صيغت منه أرواحنا، بيدٍ إلهية، ثم صارت أيادٍ بشرية تصوغ به البيوت، والأواني، وحتى الحضارات.
في عمارة اليمن الطينية، التي تزين مُدننا وتبث روح العراقة فيها ؛ إنها تنتصب من التراب وتعلو وكأنها تسكن السماء، تتجسد منها رسالة التعايش. فكل بيت طيني هنا يذكّرنا بأننا من طينٍ واحد، وأن اختلاف الزخارف والقمريات لا يُفسد وحدة الجدران. القمرية، تلك النافذة الملونة التي تسمح للضوء بالمرور، تعلمنا أن النور لا يكتمل إلا حين يمر عبر ألوان متعددة. أليست تشبيهًا بليغاً لحياتنا حين نختار أن نعيش باختلافاتنا لا أن نتصادم بها؟
لكن الطين ليس جمالًا فحسب ؛ الطين صاحب إرادة، يحتاج صانعًا ماهرًا، يضغط عليه، يشكّله، يدخله نار الامتحان ليشتد ؛ مثلنا نحن عندما نتعرض لضغوط الحياة، نُشكّل من قِبل التجارب، ننكسر ونجبر، نلين ونقسو، لكننا نخرج في النهاية وأواني وجودنا قادرة على الاحتفاظ بماء المحبة وحكمة التعايش. وكلما أفرغ الإنسان نفسه من علائق الأنا والكبر، كلما ازداد تجويفه الداخلي عمقًا، فصار أكثر قابلية لاحتواء النور، للحب، وللآخر. كما أن الوعاء الفخاري يزداد قيمة كلما كان أعمق وأمتن، فإن القلوب التي صُقلت بالتواضع والمحن، قلوبٌ لا تُكسر بسهولة، بل تصبح عرشًا للرحمة.
لقد خلقنا الله لا من زجاج هش، ولا من صخرٍ قاسٍ، ولا من ماء متبخر، بل من طين. والطين وحده من يجمع بين التماسك والليونة، بين القابلية للتشكيل والرسوخ. ولهذا، حين نبني أوطاننا، أو نرسم ملامح مجتمعاتنا، فلنحمل في وجداننا هذا الأصل الواحد، هذه القاعدة الربانية العميقة: " لقدخلقناكم من تراب واحد".
فلنكن كالقمرية، لا تحجب النور، بل تلونه. وكالفخاري، لا يتوقف عن التشكيل مهما تعرّض للطين من ضغط. وكالبيوت الطينية، تقف بسلام رغم الريح، لأنها شُيّدت بروح الجماعة، لا بأنانية الفرد.
من طين واحد بُنيت البيوت والقلوب… فهل ننسى أننا من تراب واحد؟
وما دمنا بُناة الطين والروح، فهل لنا بقاء إلا بالتعايش؟
ودمتم سالمين 🌹