للقمندان؛ الأمير أحمد فضل بن علي بن محسن العبدلي (1882- 1943م) خاصية البقاء الطويل في نفوس محبيه، وبدون أن نفسر ذلك؛ وكأنها كيمياء الروح والجسد تسري بين طرفي المعادلة الإنسانية.

ومن قال إن زرياب قد قل فعله أو الموصلي قد جف نبعه، أما مغنيات بغداد فحدث ولا حرج.

يسري الصوت في الدهور والعصور وكأنه شفرة (دافنشية) أو بصمة كونية تتبعثر وتتباعد ثم تعود وتطل بمحياها وكأنها عصية على الفناء.

للقمندان؛ يبعث الله وكيلا حين قالوا بجهالة وقلة حياء من نمور اليسار المراهق الورقية في عدن: إنه إقطاعي وسلطان ظالم للرعية، دون أن يقرأوا مفردة من (المصدر المفيد في غناء لحج الجديد) فحاول وزير إعلام من التنابلة أن يثني عمر الجاوي من موقعه في الإذاعة والتليفزيون وأن يمنع القمندان من البث، ولكن هيهات فهذا عمر عصي القياد، فأذاع مسلسل القمندان عام 1971 م من تأليف الشاعر عبدالله هادي سبيت من ثلاثين حلقة، قبل أن يغادر الجاوي الإذاعة والتلفزيون قبل أن يكتمل عامه فيها، ويخرج الوزير زاهيا بانتصاره الذي يشبه الهزيمة وتبقى محاربة القمندان من أثير الإذاعة والتلفزيون ميسما في جبهته يعير به طويلا.

وكم كان هذا الجاوي مسكونا بحب القمندان لأنه يستشرف البعد النهضوي الحضاري له؛ غناء وموسيقى وفلاحة واستصلاحا للزراعة وحبا للرعية، وإلماما بأبعاد التاريخ والتوثيق وحتى العسكرية وتشرب مبادئها في الذات اللحجية فقد كانت هاجسًا آخر للقمندان:

كما التركي يقولوا لي تهمهم

يبا يلقي الشوافع في جرابه

يمين الله ربي لو تقدم على أرض الشوافع وأعذابه

حلق سوقوه من هكه ومن ثم

ومن له بوش يكبن للورابه

وبنا من سباره من تقسم

وبا نلقي بيارق من ثيابه

أو

تمهل قل ليافع عيب تعجل

ومدفعنا يحذي خلف سفيان

و ماشي عذر باروح و بارجع

قدا الحوطة و سي للحكم ديوان

أو

وعلم الحرب مدفع بعد مدفع

ومركب بعد مركب وألف ربان

ولا يكتمل كل ذلك عنده إلا بتدثير لحج بدثارها الثقافي الخاص كـ (دولة) لها كل ما يستوجب الدولة من أسباب القيام ثقافيا على قدمين ثابتتين في أرض الوادي (تبن) ورأس تشمخ مع (شمسان) فوق بحر عدن.

غن يا هادي نشيد أهل الوطن

غن صوت الدان

ما لنا من غناء صنعاء اليمن

غصن من عقيان

فلا نستغرب إذا أن ينطرح الجاوي رقصا مع القمندان و(خبرته) في جنان (الحسيني) ونحن نسمع:

في الحسيني مست خبرة جماعة وأصحاب

والسمر طاب طاب

يسحبوا الأنس بين الفل والورد سحباب

في جناين عجاب

يا زين ليه التقلباب

ثم صوت الرباب والعود والماء ينساب

والمطر والسحاب

يا زين ليه التقلاب

فقد حلقت بل سكنت (يسحبوا الأنس بين الفل والورد سحباب ) في وجدان الجاوي عميقا وطويلا، فخرج شاهرًا سيف الحقيقة: إن القمندان؛ ليس باعث النهضة الغنائية في لحج، بل خالق لهذه النهضة.

ولأنه صاحب المراس الصعب فقد تحدى سلطات ما بعد أحداث يناير 1986م ليقيم مهرجان القمندان ذائع الصيت حتى الأن، وتلك مقدرة أصحاب الإرادات القوية.

أما ما كان من أمر أسطورة الغناء اللحجي فيصل علوي في بواكير حياته في السبعينات الماضية من القرن العشرين فقد اضطلع هذا العملاق شابا بإحياء القمندان - رغم أنف السلطات - في المخادر والحفلات التي يشهدها حوص لحج وعدن وأبين الثقافي وغيرها من الأماكن في الوطن وخارجه. فيتوحد القمندان في صوت وعزف الفيصل وعلى نمط التوحد في التراث الصوفي المعروف. وعندما يشتد عود فيصل ويتماهى تماما في القمندان يضيف إلى لحنه ما يسميه أبو باسل بـ (الفيصليات).

وبدون أن ننسى عملاقا آخر من سلاطين الغناء في بلادنا وخارجها الأستاذ الكبير محمد مرشد ناجي المسكون بحب لحج وتراثها وموروثها القمنداني وما بعد القمندان نفسه، ويكفي أن نعلم أن ثاني الحان المرشدي هي (بدرية) القمندان المعقدة.

وللإنصاف؛ تأتي فكرة إقامة مهرجان للقمندان في لحج، وقبل أن يلفظ هذا العام2025 م أنفاسه، من الأخ اللواء أحمد عبدالله التركي محافظ لحج حيث ظل يحفز من حوله على إقامة فعالية كبرى للقمندان، وشرع فعليا بمساعدة الخيرين لوضع المسار الصحيح للمهرجان ليغدو رديفًا وأخًا توأمًا لمهرجان الجاوي بمعايير دقيقة وبمخرجات ستظل باقية بعد فناء أصحابها.

((فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض)) سورة الرعد 17.