> عدن "الأيام" عبدالقادر باراس

​نظمت السلطة المحلية بالعاصمة عدن، صباح اليوم، حفل تأبين الراحل الأديب والكاتب الصحفي والمسرحي الكبير سعيد علي عولقي، طيب الله ثراه، وذلك على مسرح رائد طه حافون بمديرية المعلا التابع لمكتب الثقافة بالعاصمة عدن.

   
وشهد حفل التأبين حضورًا واسعًا من الأدباء والكتاب والصحفيين والمسرحيين والفنانين والمثقفين، إلى جانب عدد من المسؤولين والشخصيات الاجتماعية والمهتمين بالشأن الثقافي والإبداعي، الذين حضروا وفاءً لمسيرة الفقيد الحافلة بالعطاء في مجالات المسرح الثقافة والصحافة والنقد الادبي الساخر.

وألقى مدير عام مكتب الإعلام بالعاصمة عدن، حيدرة محسن القاضي، كلمة نيابة عن وزير الدولة محافظ العاصمة عدن، أكد فيها أن "الحضور يجتمع في هذا المقام الوفائي بمدينة عدن، مدينة الثقافة والإبداع، لاستذكار سيرة الراحل سعيد عولقي، الذي لم يكن مجرد كاتب أو مسرحي أو صحفي، بل أحد الأصوات التي أسهمت في تشكيل الوعي الثقافي والوطني، وأحد أبرز رواد الحركة المسرحية والأدبية في اليمن". وقال إن الفقيد آمن بأن الكلمة مسؤولية، وأن المسرح رسالة، وأن الثقافة قوة تبني الإنسان وتصنع مستقبل الأوطان، ولذلك ترك إرثًا أدبيًا ومسرحيًا وصحفيًا سيظل شاهدًا على موهبته ووفائه لعدن وإخلاصه لليمن.

وأضاف أن سعيد عولقي كتب عن الإنسان، ووثق جانبًا مهمًا من تاريخ المسرح اليمني، وأسهم في ترسيخ مكانة عدن بوصفها حاضنة للإبداع والفكر والتنوير، فاستحق أن يكون أحد رموزها الخالدين.

وأشار إلى أن الوفاء للمبدعين لا يكون برثائهم فحسب، وإنما بحفظ منجزهم، ورعاية إرثهم، وتعريف الأجيال الجديدة بما قدموه لوطنهم من عطاء صادق، مؤكدًا أن ذلك يستوجب صون هذا الإرث الثقافي الكبير، وجعله جزءًا أصيلًا من ذاكرة عدن وهويتها الحضارية.

وأكد، مدير عام مكتب الإعلام بعدن في ختام كلمته بأن "السلطة المحلية بالعاصمة عدن، حريصة على إحياء مثل هذه الفعاليات الوفائية، مجددًا التعازي لأسرة الفقيد، وللأسرة الثقافية والإعلامية والمسرحية في اليمن كافة، سائلًا الله أن يتغمد الأديب الكبير سعيد عولقي بواسع رحمته، وأن يجزيه عن وطنه ومدينته خير الجزاء.

كما ألقت د. سماح سعيد عولقي، ابنة الفقيد، كلمة نيابة عن الأسرة، عبّرت فيها عن بالغ الحزن لفقدان والدها، مؤكدة أن تأبين الأب من أصعب المواقف التي يمكن أن تواجهها الابنة، واصفة إياه بأنه لم يكن أبًا فحسب، بل مدرسة متكاملة في الفكر والأخلاق والإنسانية. 

وقالت إن الراحل عرفه الناس كاتبًا وصحفيًا ومسرحيًا ومثقفًا بارزًا، فيما عرفته أسرته إنسانًا كرّس حياته لقضية وطنه، مؤمنًا بأن نهضة المجتمعات تبدأ من نهضة العقل، وأن الثقافة والأدب رسالة ومسؤولية وشرف، وليسا وسيلة للشهرة أو المكسب.

وأضافت أن الفقيد كان حريصًا على إبقاء اليمن حاضرًا في المشهد الثقافي العربي، وسعى إلى التعريف بالفنون والآداب الحديثة ومواكبة التحولات الفكرية، انطلاقًا من إيمانه بأن تقدم الأوطان مرهون بتقدم عقول أبنائها، كما ظل قريبًا من الناس، معبرًا عن قضاياهم، ومنحازًا للإنسان البسيط، ومؤمنًا بقوة الكلمة الصادقة في صناعة الوعي.


وعن حياته الأسرية، أوضحت أن والدها لم يكن يلقّن أبناءه المبادئ بالكلمات، بل جسدها في سلوكه اليومي، فكان قدوة في التواضع والكرم والثبات على المواقف، وحرص على غرس حب المعرفة في نفوس أبنائه، وجعل من مكتبته فضاءً للتعلم والقراءة، مؤمنًا بأن الفكر هو الإرث الحقيقي الذي يتركه الآباء لأبنائهم.

وأكدت أن شغف الراحل بالمعرفة لم يخفت حتى آخر أيامه، إذ ظل متابعًا لكل جديد في الأدب والفكر، ومتفاعلًا مع التطورات التقنية ووسائل التواصل الحديثة، التي أتقن استخدامها لتكون امتدادًا لقلمه، في تجسيد لإيمانه بأن المثقف الحقيقي لا يتوقف عن التعلم.

وأشارت إلى أن والدها امتلك ذاكرة ثرية حفظت تفاصيل عدن والجنوب والحياة الثقافية والسياسية والفنية، وأن كتاباته تميزت بالعمق والجرأة والأسلوب الساخر، ما جعله شخصية ثقافية متفردة تركت بصمتها في المشهد الأدبي اليمني.

واختتمت كلمتها بالتأكيد أن والدها لم يكن يسعى إلى مجد شخصي، بل إلى صناعة أثر باقٍ، مشيرة إلى أن ما لمسته الأسرة من محبة واسعة عقب رحيله، من أصدقاء وقراء وطلاب وفنانين ومثقفين، كان خير دليل على أن رسالته الإنسانية والثقافية وصلت إلى الناس، وأن إرثه سيبقى حاضرًا في الذاكرة الثقافية ووجدان محبيه.

بدورها، أشادت مديرة مكتب الثقافة بالعاصمة عدن، د. سميرة المشجري، بالإرث الثقافي والإبداعي الذي خلّفه الراحل، مؤكدة أن تأبينه يمثل وقفة وفاء أمام إحدى القامات الأدبية والمسرحية والصحفية التي أثرت المشهد الثقافي وتركت عطاءً زاخرًا في الأدب والفن، وتميزت كتاباته بأسلوبه الساخر والناقد. وأوضحت أن المتصفح لأعمال سعيد عولقي سيجد إرثًا أدبيًا ثريًا، سواء في "الشقلبانيات" التي نُشرت في الصحف اليومية، وكتبها باللهجة العدنية الساخرة متناولًا الأوضاع السياسية والاجتماعية، أو في أعماله المسرحية التي حملت الطابع البدوي الأبيني، وفي مقدمتها مسرحية "التركة" التي جسدت الواقع الاجتماعي والأمني في بدايات سبعينيات القرن الماضي.

مشيرة إلى أن المهتمين بتاريخ المسرح في اليمن سيجدون توثيقًا شاملًا في كتابه "سبعون عامًا من المسرح اليمني" إلى جانب قصصه الهادفة وأعماله الأخرى، لافتة إلى أن الكتاب الصادر عن الفقيد الذي بين يديكم، والمخصص لسيرته الذاتية، يتضمن أيضًا قراءات أدبية تحليلية لإرثه الإبداعي، أعدها أعضاء لجنة التأليف، مثمنة جهودهم في توثيق مسيرته.

وأكدت المشجري أن مكتب الثقافة بعدن يواصل اهتمامه بتوثيق منجزات المبدعين والفنانين في مختلف المجالات، ممن أسهموا في نهضة الحركة الثقافية في عدن وتعزيز حضورها، والعمل على أرشفة إنتاجهم الأدبي والفني ليظل مرجعًا أصيلًا للأجيال القادمة.

فيما استذكر وزير الثقافة السابق، عبدالله عوبل، وهو أحد رفاق الفقيد، مسيرته الثقافية والإبداعية، مؤكدًا في كلمته أن سعيد عولقي كان أحد أبرز رموز الثقافة والإبداع في عدن والوطن عمومًا، ولم يكن كاتبًا عاديًا، بل ترك أثرًا عميقًا في الحياة الثقافية والاجتماعية، إذ كتب للمسرح، وأسهم في تأسيس أكثر من محطة مسرحية، كما كتب الرواية والقصة. وأضاف أنه، رغم قلة إنتاجه الأدبي، إلا أن انها ظلت حاضرة ومتداولة بين الناس بفضل أسلوبه الساخر والقريب من وجدانهم، مشيرًا إلى أن مسرحية "التركة" شكّلت فاتحة للنقد الاجتماعي والسياسي الذي سار عليه الكاتب وظلت محفورة في ذاكرة الناس.

وسلط عوبل الضوء على إسهامات الفقيد في توثيق تاريخ المسرح في عدن، لافتًا إلى أنه كان من المساهمين في تأسيس أهم الفرق المسرحية خلال فترة ازدهار الحركة المسرحية في المدينة، وأن شغفه بالمسرح لم يتوقف عند الكتابة بل تُوِّج بتأليف كتاب مرجعي يوثق تاريخ المسرح في عدن.

وأشار إلى أن الفقيد عُرف بآرائه الجريئة ونقده للسلطة، بما فيها الحزب والجيش، معتبرًا الكتابة وسيلة حضارية لإيصال أفكاره والتعبير عن مواقفه.

وأضاف أن سعيد عولقي لم يكن كاتبًا مسرحيًا فحسب، بل روائيًا متميزًا وصحفيًا حرًا، تجلت شخصيته في كتاباته الصحفية منذ ما قبل الاستقلال، ولم يقبل طوال مسيرته أن يكتب وفق نهج السلطة، سواء في صنعاء أو في عدن.

واختتم عوبل كلمته بالتأكيد على أن الفقيد يستحق كل اهتمام وتقدير لما قدمه من منجزات ثقافية وأدبية، واصفًا إياه بأنه أحد أبرز رموز مدينة عدن وأعلامها، مقترحًا على وزير الدولة محافظ العاصمة عدن إطلاق اسم الفقيد سعيد عولقي على أحد المعالم أو المؤسسات الثقافية، تكريمًا لمسيرته وتخليدًا لإسهاماته الثقافية والأدبية.


كما تناول رئيس اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، د. مبارك سالمين، المكانة الأدبية والإنسانية للراحل سعيد عولقي، مؤكدًا أنه خلّف إرثًا خالدًا تجاوز حدود الأدب والصحافة ليشمل القيم الإنسانية والسلوك الرفيع الذي عُرف به طوال مسيرته. مشيرًا إلى أن الفقيد تميز بشخصية متزنة وسوية على المستوى الإنساني، وهي سمة نادرة في هذا الزمن، انعكست في مسيرته الإبداعية وعلاقاته الإنسانية. وأضاف أن سعيد عولقي قدّم في كتابه "السمار الثلاثة" وثيقة سردية مهمة أرّخت للحياة العدنية، واصفًا العمل بأنه يمثل نموذجًا لـ«سوسيولوجيا السمر»، لما تضمنه من توثيق ذكي للعادات والتفاصيل الاجتماعية والثقافية.

وأشار سالمين إلى أن مسرحية "التركة" تُعد من أبرز أعمال الراحل، إذ لم تكن مجرد نص مسرحي، بل وثيقة فنية جسّدت إرث البلاد، مستفيدًا من اللهجة البدوية التي وظفها ببراعة، جامعًا بين نقاء اللغة وروح الفكاهة، فنجح في إضحاك الجمهور وهو يؤرخ للواقع ويوثق تفاصيله. وختم كلمته بالدعاء للفقيد، سائلًا الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته. 

وتخلل حفل التأبين عرض فيلم وثائقي استعرض محطات مسيرة الفقيد، كما جرى تكريم أسرته بتسليمها درعًا وتُرسًا تكريميين مقدَّمين من وزير الدولة، محافظ العاصمة عدن، عبدالرحمن شيخ، تقديرًا لعطائه ومسيرته الثقافية والأدبية.