> تعز «الأيام» خاص:

رغم بلوغها الستين عاما، لم يخفت شغف رضية شمسان طاهر بالتعليم، ولم تُثنها المسؤوليات ولا الظروف القاسية عن ملاحقة حلمها القديم. ففي الوقت الذي يختار فيه الكثيرون التقاعد عن الدراسة أو الطموح، اختارت رضية أن تبدأ من جديد، فجلست إلى مقاعد الدراسة، ونجحت في اجتياز امتحانات الثانوية العامة محققة معدل 75 %، وهي في الستين من عمرها.

تقول رضية "لقد كان حلمًا مؤجلًا منذ الطفولة. حرمتني عائلتي من التعليم لأنني فتاة، وكانت القناعة لديهم أن مكان الفتاة بيتها وزوجها فقط. لكني لم أنس ذلك الحلم، واليوم أعيشه بكل فخر."

وتضيف: "كنت أشعر بالحزن كلما رأيت أطفالي يدرسون، بينما أعجز عن مساعدتهم في كتابة أبسط الكلمات. ذلك الشعور دفعني لاتخاذ القرار الصعب: العودة إلى الدراسة وتحقيق حلمي الذي طال انتظاره".
  • تحديات متعددة ومسؤوليات مضاعفة
رضية، وهي أم لتسعة أبناء (ستة أولاد وثلاث بنات)، لم تكن مهمتها سهلة. فقد كانت تقسم يومها بين واجباتها المنزلية ودراستها، مستعينة بإرادتها الصلبة ومساندة أبنائها الذين وفروا لها الدعم المعنوي وساعدوها في فهم المناهج الحديثة.

"قررت العودة إلى التعليم بعد أن كبر أبنائي. شعرت أن الوقت قد حان لأهتم بنفسي وأحقق ما كنت أطمح له منذ صغري."

بدأت رحلتها من مركز محو الأمية في مديرية المعافر بمحافظة تعز، ثم التحقت بمدرسة "الفقيد النعمان" للبنات، لتواصل مشوارها الدراسي جنبًا إلى جنب مع اثنتين من بناتها، لطيفة وعفاف.
  • دعم أسري فاق التوقعات
لم تكن خطوة العودة إلى الدراسة محل استغراب أو اعتراض من أسرتها، بل لاقت ترحيبًا وتشجيعًا كبيرين.

"أبنائي كانوا سندي الحقيقي. شجعوني منذ البداية، وأخبروني أنني اتخذت القرار الصحيح، وكانوا معي بكل لحظة، قدموا لي الدعم الكامل دون تردد."

إلى جانب الدراسة، تمارس رضية منذ أكثر من عشرين عامًا مهنة تصميم وتفصيل الأزياء النسائية، وهي مصدر دخلها الأساسي. كانت تعود من المدرسة لتقضي ساعات في العمل، ثم تتابع واجباتها الدراسية، دون أن تقصر في التزاماتها المنزلية.
  • بين الإحباط والإصرار
ورغم عزيمتها الكبيرة، لم تخلُ الرحلة من لحظات إحباط، حيث تقول: "نعم، شعرت بالإحباط، خاصة عندما انتقلت إلى الثانوية العامة. المواد العلمية كانت معقدة، وزاد الأمر سوءًا عندما اعتُقل اثنان من أبنائي في البقع بتهم سياسية. لا يزالان معتقلَين حتى اليوم، ومع ذلك، لم أستسلم" .

ورغم أنها كانت تتوقع معدلًا أعلى من 75 %، تفاجأت بالنتيجة التي أبلغها بها ابنها عبدالعزيز، لكنها لم تجعل من ذلك عائقًا أمام طموحها. بل أعلنت إصرارها على مواصلة التعليم الجامعي، حيث تنوي الالتحاق بتخصص إدارة الأعمال.
  • رسالة إلى المجتمع
وفي ختام حديثها، توجه رضية رسالة قوية للأهالي وصناع القرار التربوي والمجتمعي:

"رسالتي لكل ولي أمر، لا تحرموا بناتكم من حق التعليم. لا تسمحوا للأفكار البالية أن تقتل أحلامهن. التعليم حق لا يجب أن يُمنع عن أي فتاة تحت أي مبرر."

وتخاطب الشباب والشابات قائلة: "أعلم أن الوطن يمر بظروف صعبة، لكن لا تجعلوا ذلك سببًا في التخلي عن أحلامكم. اصبروا وواصلوا المسير، فالغد لا بد أن يكون أفضل".
  • الطموح لا يتقاعد
قصة رضية شمسان تُعد مثالًا حيًا على أن الطموح لا يعرف عمرًا، وأن السعي لتحقيق الأحلام يمكن أن يبدأ في أي وقت. فاليوم، تعيش رضية حلم طفولتها بعد نصف قرن، مثبتة أن الإصرار والعزيمة لا يخضعان لسن، وأن الحياة لا تزال تمنح فرصًا لمن يملكون الشجاعة على المحاولة.

أبناؤها عبّروا عن فخرهم بها على مواقع التواصل الاجتماعي، مؤكدين أن والدتهم منحتهم درسًا في الكفاح لا يُنسى، ورسّخت فيهم قناعة بأن الطموح لا يتقاعد.