تمر الساحة السياسية في بلادنا بجملة من الإشكالات التي انعكست على مسار الأعمال والخطط، وأدت في كثير من الأحيان إلى تعطل المشاريع وتبديد الفرص المتاحة. ومن خلال تجربة ومعايشة طويلة، يمكن رصد أبرز الأسباب التي تعيق مسيرة العمل الوطني وتعرقل الوصول إلى النتائج المرجوة.
1 . غياب آليات عمل واضحة وتضارب السياسات بين القوى الفاعلة على الأرض، وتحول الصراع إلى صراع عبثي يستهلك الوقت والمقدرات ويضعف الجميع.
2 . التناقض بين التخصصات وعدم وضوح المسؤوليات وفهم طبيعة المهام لكل جهة ومسؤولية أو هدف من الأهداف ومنحه المساحة المناسبة له.
3 . تكرار النقاشات والعودة مرارًا إلى نقطة الصفر بدلًا من البناء على ما تحقق.
4 . إضاعة الوقت والفرص التاريخية التي كان بالإمكان استثمارها لصالح الوطن، وعدم وجود جهة استشارية ذات خبرة تحدد طبيعة تلك الأولويات بنظرة واقعية تنظر للمصلحة العامة وليس للمصالح الآنية.
مشروع التصالح والتسامح الجنوبي:
انطلقت مبادرة التصالح والتسامح عام 2006 كمبادرة ذاتية حققت نجاحات معتبرة، لكن غياب المسؤولية المؤسسية جعلها تتراجع بعد 2015 لتتحول إلى مجرد فعالية احتفالية سرعان ما اختفت.
وقد سعينا في منبر عدن للحوار بالتنسيق مع عدد من الشخصيات إلى إعادة تحريك هذا الملف، ونأمل أن نصل إلى آلية تنقل التصالح والتسامح من مستوى الشعار والحديث المتكرر إلى مستوى المتابعة الدائمة، بما يخدم القضايا الوطنية ويعزز وحدة الصف الجنوبي وتقديمها للقيادة الجنوبية وبقية المكونات، لعلهم يأخذون بها.
الحوار الجنوبي والفرص الضائعة:
منذ 2007، ومع تعدد ظهور المكونات الجنوبية في 2009، برزت جهود ومبادرات عديدة للدعوة إلى الحوار والوفاق.
وقد تحقق تقدم ملموس مع تشكيل فريق الحوار الجنوبي في أغسطس 2022م، بصلاحيات ودعم مباشر من قبل رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي اللواء عيدروس الزُبيدي، وصولًا إلى اللقاء التشاوري والتوقيع على الميثاق الوطني في مايو 2023م، في مشهد تاريخي رغم غياب بعض المكونات عن هذا اللقاء.
كان من المقرر التواصل مع بقية المكونات بعد اللقاء، لكن ظهرت أمور أربكت ذلك الزخم، فضاعت فرصة مواصلة النجاح، إضافة إلى محاولات القوى المعارضة للمشروع الجنوبي إيجاد بعض الانقسامات في بعض المحافظات.
وما زال الأمل موجودًا بالعودة للعمل الجنوبي المشترك والانطلاق للحوار مع بقية المكونات.
إن الحاجة ماسة اليوم إلى الانتقال من تكرار الدعوات النظرية للحوار إلى بناء آليات عملية تنطلق من الإنجازات السابقة وتطورها بما يعزز التوافق الجنوبي ويترجمه في الواقع.
مجلس القيادة الرئاسي.. غياب الرؤية الانتقالية وتضارب المسؤوليات:
على صعيد مجلس القيادة الرئاسي والقرار الوطني، نحن في السنة الرابعة منذ تشكيل المجلس، وما زال المجلس لم يُقر آلية واضحة للعمل المشترك، الأمر الذي انعكس على المواطن الذي كان ينتظر حلولًا حقيقية لأوضاعه المعقدة، وتسبب في تعطل الكثير مما كان ينبغي إنجازه لصالحه.
ضياع الوقت من القوى الجنوبية واليمنية بشكل عام:
شمر يهرعش خلال خمس سنوات خرج من جنوب الجزيرة العربية أرض حمير ليقود معركة تأسيس دولته الكبرى التي شملت جنوب الجزيرة والحبشة وصولًا إلى البحر الأبيض المتوسط وأوروبا، ثم استكمل بقية شمال الجزيرة والخليج، واتجه إلى بلاد الشام والرافدين وفارس وسمرقند ووصل إلى حدود الصين - في خمس سنوات، وبدون طائرات ولا أسلحة ولا وسائل نقل واتصالات كما هو في هذا القرن، بل راكبًا على الحصان.
ونحن تمضي السنوات ولم نخرج من نفس الهموم، فكم لنا وما زلنا في نفس الدوامة.
فلا مجلس القيادة بعد الرئيس هادي غيّر في شكل أو مضمون العمل والروتين المكرر، ولا الجنوب حدد ماذا يريد في هذه المرحلة، وخرج من دائرة تضارب الأقوال مع الأفعال.
الخلاصة:
إن إعادة ترتيب الأولويات، والاستفادة من الطاقات الفكرية، واستغلال الوقت، والخروج من دائرة الحزبية السياسية أو الدينية، هي السبيل لتجاوز حالة الضياع وتكرار الأخطاء، وبناء مسار وطني يحقق طموحات شعبنا.
فالغاية من هذه الأفكار ليست الشهرة ولا الرياء أو الابتزاز السياسي؛ وإنما العمل لله ثم لخدمة الوطن الذي يستحق منا جميعًا أن نتجرد من الحسابات الضيقة ونتكاتف من أجل أن نعيش ما بقي من حياتنا في أمن وإيمان وحياة كريمة.
عشر سنوات ونحن نحلم بالكهرباء أن تعمل لعدة ساعات متواصلة... ووصل الحال إلى قطع المرتبات، يا لوماه ويا عيبااه!
فهل من يسمع النصيحة؟!
* رئيس منبر عدن للحوار والسلام والتنمية



















