بين هدنة غزة وتوتر البحر الأحمر هل من شرق أوسط جديد يولد في العاصفة؟
  • لحظة فارقة في الإقليم
بينما يظنّ البعض أن نيران الحرب في غزة بدأت تنطفئ، تتكشف ملامح مرحلة أشد تعقيدًا، إذ تتعدد الجبهات وتتشابك المسارات من المتوسط إلى البحر العربي، في مشهدٍ يجعل من الحديث عن السلام أمرًا سابقًا لأوانه، فالمنطقة الممتدة من غزة إلى البحر الأحمر، ومن لبنان إلى اليمن مرورًا بباب المندب، تشهد لحظة تاريخية جديدة تتجاوز حدود الجغرافيا التقليدية للصراع. لقد تحوّل "اليوم التالي لغزة" من ملف إنساني وسياسي إلى معادلة أمنية واستراتيجية تعيد رسم خرائط الردع وموازين النفوذ في البر والبحر على السواء.
  • غزة: إدارة ما بعد الحرب أم وصاية دولية؟
تبدو المبادرات الأمريكية حول "إدارة انتقالية" في غزة وكأنها معالجة مؤقتة لمعضلة سياسية وأمنية، لكنها في جوهرها محاولة لإعادة هندسة الواقع الفلسطيني. واشنطن تراهن على استبعاد حماس وإنشاء سلطة بديلة تحت غطاء دولي وعربي، في خطوة قد تؤدي إلى وصاية دولية غير مسبوقة. لكن هذا الطرح يصطدم بمعادلة معقدة: رفض فلسطيني داخلي، وتردد إسرائيلي، وانقسام عربي بين داعم ومتحفظ، فضلًا عن أن غزة أصبحت بالنسبة لإيران ورقة استراتيجية ضمن جبهة أوسع لإبقاء إسرائيل في حالة استنزاف دائم.
  • لبنان: الجبهة المعلّقة على حافة الانفجار
في الشمال، يقف حزب الله على حافة مواجهة شاملة مع إسرائيل. ورغم استمرار معادلة الردع المتبادل، فإن احتمالات الانزلاق قائمة. فإيران ترى في جبهة لبنان صمام أمان يضمن بقاء الضغط على إسرائيل حتى لو توقفت العمليات في غزة. وهكذا يُبقي لبنان جذوة الصراع مشتعلة ويمنح طهران ورقة ردع استراتيجية مزدوجة: سياسية وعسكرية.
  • البحر الأحمر والبحر العربي: من باب المندب إلى خليج عدن
في الجنوب، تحوّل البحر الأحمر وباب المندب إلى جبهة لا تقل خطورة عن غزة أو لبنان، لكن الأخطر أن التهديد امتد إلى البحر العربي نفسه، كما ظهر في الهجوم الحوثي يوم الأحد 29 سبتمبر 2025 على السفينة الهولندية “Minervagracht” بصاروخ في خليج عدن، ثم في حادثة استهداف ناقلة الغاز الطبيعي “MV FALCON” يوم السبت 18 أكتوبر 2025 في خليج عدن، والتي أُبلغ عن تعرضها لانفجار كبير يُعتقد أنه ناتج عن ضربة صاروخية أو مقذوف بحري. هاتان الواقعتان تمثلان نقلة نوعية في استراتيجية الحوثيين بإيعاز إيراني، حيث لم يعد استهدافهم مقتصرًا على السفن المرتبطة بإسرائيل، بل توسّع ليشمل خطوط التجارة الأوروبية والآسيوية، ما يجعل الممرات البحرية من قناة السويس حتى المحيط الهندي رهينةً للابتزاز الإيراني. وهكذا يتحول البحر الأحمر والبحر العربي إلى ساحة تجاذب دولي، لا يهدد التجارة فحسب، بل يضع العالم أمام اختبارٍ مباشرٍ لأمن الطاقة والغذاء وسلاسل التوريد العالمية.
  • واشنطن بين الاحتواء والحسم
تواجه الولايات المتحدة معضلة متصاعدة: فمن جهة، لا يمكنها السماح للحوثيين بتهديد الملاحة الدولية دون رد، ومن جهة أخرى تتوجس من الانزلاق إلى حرب مفتوحة جديدة في اليمن. ولذلك كثّفت واشنطن وجودها البحري وأعلنت "حرية الملاحة" خطًا أحمر، لكنها في الوقت نفسه تدرس خيارًا أكثر جرأة: إدخال عامل “boots on the ground” من خلال تنظيم وتقوية قوات الحكومة الشرعية اليمنية لتكون الذراع البرية لتحالف دولي جديد يهدف إلى تأمين البحر الأحمر والبحر العربي وإزالة مخاطر المخلب الحوثي دون تورط أمريكي مباشر.
  • إيران واستراتيجية «المخالب المتعددة»
خيوط الأحداث كلها تقود إلى طهران التي تدير مشهدًا معقدًا يقوم على توزيع الأدوار: حزب الله في لبنان كورقة ردع ضد إسرائيل، وحماس والجهاد في غزة كورقة استنزاف، والميليشيات العراقية كورقة ضغط على الوجود الأمريكي، والحوثيون كورقة بحرية استراتيجية لتهديد باب المندب والبحر العربي. بهذه"المخالب المتعددة"، تفرض إيران حضورها على خريطة الأمن الإقليمي والدولي، وتبعث برسالة واضحة: لا أمن في الخليج أو البحر الأحمر دون المرور عبر طهران.
  • الخلاصة: ما بعد الحرب أم ما قبل الانفجار؟
الصراع لم يعد نزاعًا محليًا بل معركة مفتوحة على موازين القوة بين مشاريع كبرى. من غزة إلى لبنان، ومن اليمن إلى البحر الأحمر والبحر العربي، تتكشف ملامح شرق أوسط جديد يتشكّل في أتون العاصفة. الولايات المتحدة تميل نحو الحسم البحري وربما البري عبر وكلائها المحليين، وإسرائيل تفكر في تصفية حسابها مع حزب الله، فيما تواصل إيران توظيف أذرعها كافة في استراتيجية«المخالب المتعددة». إنها ليست مرحلة ما بعد الحرب، بل مرحلة ما قبل الانفجار الأكبر، حيث تُعاد صياغة خرائط الردع والأمن الإقليمي على وقع صراع الممرات والمصالح.