ساعدت ظروف كثيرة الاتحاد السوفيتي (روسيا) أن يصل إلى مياه خليج عدن وبحر العرب الدافئة إبان الاستقطاب الكبير والحرب الباردة بين الغرب الرأسمالي والشرق الاشتراكي.
فالتبدل السياسي في عدن قد بدأ؛ نحو المراهقة اليسارية بعد الإطاحة بالرئيس قحطان الشعبي ورجل الدولة الأول فيصل عبداللطيف في 22 يونيو 1969م، والاتجاه - بدون بوصلة - باتجاه الشرق الاشتراكي.
على خطى تفكك حركة القوميين العرب في المركز (بيروت) بعد نكسة حزيران 1967 م وانبثاق الجبهتين: الديمقراطية برئاسة نائف حواتمه والشعبية برئاسة جورج حبش.
وبلبوس ماركسية (موسكوفية) زاهية، سار الرفاق في عدن على ذات الاتجاه وصولًا إلى موسكو، حتى ليقول الخبثاء: إذا أمطرت السماء في موسكو فتح الرفاق في عدن المظلات (الشمسيات)، وإذا أصيب رأس الحزب الشيوعي (ليونيد برجينيف) بالزكام في (الكرملين) بموسكو عطس الرفاق في القصر المدور بالتواهي.
لكن هذا التسطيح البادي كان يخفي حقيقة أخرى وهي: أن بريطانيا العظمى وقد فارقت درة أحلامها عدن، وفقدت مصالحها المهمة في دول الخليج، لصالح التوسع الأمريكي وهي بحاجة لقوة تستطيع أن تكون ندًّا للأمريكيين في المنطقة بعد أن فقدت مكانتها الدولية، وأن الأنسب هو الدب الروسي دون منازع! إنها لعبة المصالح والضرب تحت الحزام.
وهذه الفرضية ليست من الخيال وإنما هي أساس المجريات اللاحقة في الجنوب والتي يراد منها أن تكون فزاعة لدول الخليج من الدخول في النفق الثوري المكلف الذي حول عدن من مدينة كوسموبوليتكن تبهر العالم كدرة ثمينة بين الشرق والغرب، إلى مدينة فاقدة لهويتها ومحاصرة في محيطها الإقليمي.
ثم ألقى انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991م بظلاله على جمهورية الجنوب فاتجهت نحو وحدة غير متكافئة مع الشمال. وللأمانة التاريخية كان لقادة الجنوب نية وطنية صادقة بينما بيت الشمال الغدر منذ البداية لأخد الثارات لحرب 1979م وتصفية شريكه الجنوبي في الوحدة وهو ما حدث في حرب احتلال الجنوب في صيف 1994م.
إن الحزب الحاكم في عدن خرج مثخنًا بالجراح بعد مأساة 13 يناير 1986م المريرة، فقد الجنوب نصف مقدرته ومقدراته عسكرية كانت أم مدنية.
وعندما جرت تقييمات لمرحلة ما بعد المأساة؛ كان الاتجاه الغالب في الحزب السير نحو الشمال.
وأتذكر أن الدولة بعثت الأخ سالم صالح محمد الرجل الثاني والدبلوماسي المحنك لاستطلاع رأي الرفاق في موسكو، ربما كان ذلك في العام 1989م - إن لم تخن الذاكرة. وذهبت بمعية الشهيد عبد اللاه قائد سكرتير الحزب في الاتحاد السوفيتي لزيارته. ولم نندهش كثيرًا عندما ذهبنا إلى فندق اللجنة المركزية في شارع (لينين) الجميل؛ ذي الأبواب الضخمة ذات المقابض الذهبية، ولم نجد الرفيق سالم صالح هناك كعادة الرفاق عندما ينزلون في هذا الفندق في زياراتهم المتكررة لموسكو.
لكن موسكو غورباتشوف في تلك الأيام قد بدأت في خلع ملابسها الاشتراكية وتتجه غربًا بدلًا من الشرق والجنوب.
ثم وجدنا الأستاذ سالم - أطال الله في عمره وعافاه - في فندق أقل روعة من الأول، وكعادته وجدناه هادئا ويستمع إلينا أكثر مما يتكلم. وحين تحدث تحدث بلغته الدبلوماسية المعتاد عليها؛ وقال: إن رفاقنا منشغلون في وضعهم الداخلي ولا يستطيعون أداء دورهم الأممي كما كان، وينصحوننا بالانفتاح على محيطنا الخليجي وإخوتنا في صنعاء.
وربما يحمل أبو صلاح أشياء أخرى قد يفصح عنها لاحقا.
لقد كان بالإمكان الامتثال لمنطق العقل وإدارة دفة الوحدة الفالتة من عقالها نحو الدعوة لوحدة جنوبية - جنوبية بعد كل جراح الماضي النازف منذ الستينات وحتى تلك اللحظة الفارقة. وقد وجهت نصائح مثل هذه من حزب رابطة أبناء الجنوب وجبهة التحرير، رغم القطيعة العميقة، ولكن حزب عدن الحاكم كان لا يلتفت بجدية إلى أية دعوات للتريث عن هرولته إلى صنعاء.
وكان هناك من يستطيع تغطية الفراغ الذي خلفه السوفييت أو الروس مثل إخوتنا في المملكة العربية السعودية.
فالدخول إلى الوحدة خطأ بنصف الجنوب كمقدرات وبالاعتماد على حسن نوايا السلطة الشمالية؛ القبلية بطبيعة الحال، والقبيلي لا ينسى غريمه كما يقال، ناهيك عن الموقف المعلن للإخوان المسلمين ورأسهم الشيخ عبدالله بن حسين الرافض للوحدة مع (الشيوعيين)! سواء كان موقفهم عقائديا أو تكتيكيا فهو لتوزيع الأدوار، ونصب شرك محكم للمقبلين على الوحدة بنوايا صادقة ولكنها ساذجة أيضًا.
كان الأستاذ أحمد السقاف العضو المنتدب للهيئة العامة للجنوب والخليج العربي والشاعر المعروف؛ وهو من كبار دعاة القومية والوحدة العربية، يجد في الوحدة التي رفع علمها في عدن في 22 مايو 1990 م -وكان حاضرًا - وبعد حربين مريرتين بين البلدين في العام 1972 و 1979 م وبث إعلامي معادٍ بين الطرفين على مدى عقدين، لا يمكن أن تكون وحدة قابلة للاستمرار، وهو ما برهنت الأيام على صحته.
إن مشكلة القيادة في الجنوب؛ في ظل حزب تقوم قوته على فرضيات انتمائه واعتماده لحليف خارجي من العيار الثقيل، يدعم وجوده ويحافظ على استمراريته، ما يعني أنه يحمل ذرات انهياره أو موته ساعة يرفع الحليف الغطاء عنه.
ورأينا ما رأينا من تسلسل الأحداث طول الفترة من 1994 تاريخ احتلال الجنوب وانهيار الوحدة حتى استعادة الأرض في حرب 2015م دون أن نستعيد الدولة المفقودة.
تمت زيارة الرئيس القائد عيدروس الزبيدي لموسكو شهر أكتوبر الماضي، ويجب ألا نحمل الرجل فوق طاقته، فالاتحاد الروسي قد خرج من متاعبه السابقة جراء إرث ميخائيل غورباتشوف وبوريس يلتسن وأصبح الان على عهد القيصر القوي فلاديمير بوتين رقما لا يقبل القسمة على اثنين، ولكنه أيضا ليس هو الاتحاد السوفيتي وإن كان هو الوريث لذلك الاتحاد الميت. ونحن في الجنوب لسنا (جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية) وإن كنا نسعى لاستعادتها برؤى أخرى مغايرة.
و إذا كان الرئيس القائد عيدروس الزبيدي يستفيد من موقعه المتقدم في هيكلية الشرعية المعترف بها دوليا فذلك أمر يجب أن نتفهمه في السياسة ولعبة المصالح وفي إطار الممكن تكتيكيا للاستفادة منه في استراتيجيات عملنا القادم.
يجب علينا حقا أن نفرق بين ما هو تكتيكي في القول وفي بعض المظاهر على الأرض وبين ما هو استراتيجي يتعلق بالطموحات الوطنية الجنوبية الكبيرة المعلن عنها.
وما بيننا وبين الروس هو خلق فرص متبادلة، ليس اعتمادًا على التاريخ وحده، وإنما على المصالح المتبادلة، وذاك حق مشروع للجميع. فحتى اخوتنا في المملكة العربية السعودية قد ارتقت علاقتهم بالروس إلى أرفع المستويات، بعد إن كان الأشقاء يرون في الاشتراكية والشيوعية - المقبورة - عدوا لبلدهم.
فهل من المعيب أن يلتقي القائد عيدروس بارفع المستويات القيادية في الدولة الروسية؟ أم هو إنجاز بكل المعايير للجنوب. فعيدروس وإن كان نائبا لرئيس المجلس القيادي فهو رئيس المجلس الانتقالي ووجوده في الأول؛ لا ريب يخدم وجوده على رأس الانتقالي.
فأي خطوات يسيرها القائد عيدروس الزبيدي ضمن دوائر الشرعية لن تحجب عنه تطلعاته كرئيس للانتقالي الهادف استعادة الدولة المفقودة.
فالتبدل السياسي في عدن قد بدأ؛ نحو المراهقة اليسارية بعد الإطاحة بالرئيس قحطان الشعبي ورجل الدولة الأول فيصل عبداللطيف في 22 يونيو 1969م، والاتجاه - بدون بوصلة - باتجاه الشرق الاشتراكي.
على خطى تفكك حركة القوميين العرب في المركز (بيروت) بعد نكسة حزيران 1967 م وانبثاق الجبهتين: الديمقراطية برئاسة نائف حواتمه والشعبية برئاسة جورج حبش.
وبلبوس ماركسية (موسكوفية) زاهية، سار الرفاق في عدن على ذات الاتجاه وصولًا إلى موسكو، حتى ليقول الخبثاء: إذا أمطرت السماء في موسكو فتح الرفاق في عدن المظلات (الشمسيات)، وإذا أصيب رأس الحزب الشيوعي (ليونيد برجينيف) بالزكام في (الكرملين) بموسكو عطس الرفاق في القصر المدور بالتواهي.
لكن هذا التسطيح البادي كان يخفي حقيقة أخرى وهي: أن بريطانيا العظمى وقد فارقت درة أحلامها عدن، وفقدت مصالحها المهمة في دول الخليج، لصالح التوسع الأمريكي وهي بحاجة لقوة تستطيع أن تكون ندًّا للأمريكيين في المنطقة بعد أن فقدت مكانتها الدولية، وأن الأنسب هو الدب الروسي دون منازع! إنها لعبة المصالح والضرب تحت الحزام.
وهذه الفرضية ليست من الخيال وإنما هي أساس المجريات اللاحقة في الجنوب والتي يراد منها أن تكون فزاعة لدول الخليج من الدخول في النفق الثوري المكلف الذي حول عدن من مدينة كوسموبوليتكن تبهر العالم كدرة ثمينة بين الشرق والغرب، إلى مدينة فاقدة لهويتها ومحاصرة في محيطها الإقليمي.
ثم ألقى انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991م بظلاله على جمهورية الجنوب فاتجهت نحو وحدة غير متكافئة مع الشمال. وللأمانة التاريخية كان لقادة الجنوب نية وطنية صادقة بينما بيت الشمال الغدر منذ البداية لأخد الثارات لحرب 1979م وتصفية شريكه الجنوبي في الوحدة وهو ما حدث في حرب احتلال الجنوب في صيف 1994م.
إن الحزب الحاكم في عدن خرج مثخنًا بالجراح بعد مأساة 13 يناير 1986م المريرة، فقد الجنوب نصف مقدرته ومقدراته عسكرية كانت أم مدنية.
وعندما جرت تقييمات لمرحلة ما بعد المأساة؛ كان الاتجاه الغالب في الحزب السير نحو الشمال.
وأتذكر أن الدولة بعثت الأخ سالم صالح محمد الرجل الثاني والدبلوماسي المحنك لاستطلاع رأي الرفاق في موسكو، ربما كان ذلك في العام 1989م - إن لم تخن الذاكرة. وذهبت بمعية الشهيد عبد اللاه قائد سكرتير الحزب في الاتحاد السوفيتي لزيارته. ولم نندهش كثيرًا عندما ذهبنا إلى فندق اللجنة المركزية في شارع (لينين) الجميل؛ ذي الأبواب الضخمة ذات المقابض الذهبية، ولم نجد الرفيق سالم صالح هناك كعادة الرفاق عندما ينزلون في هذا الفندق في زياراتهم المتكررة لموسكو.
لكن موسكو غورباتشوف في تلك الأيام قد بدأت في خلع ملابسها الاشتراكية وتتجه غربًا بدلًا من الشرق والجنوب.
ثم وجدنا الأستاذ سالم - أطال الله في عمره وعافاه - في فندق أقل روعة من الأول، وكعادته وجدناه هادئا ويستمع إلينا أكثر مما يتكلم. وحين تحدث تحدث بلغته الدبلوماسية المعتاد عليها؛ وقال: إن رفاقنا منشغلون في وضعهم الداخلي ولا يستطيعون أداء دورهم الأممي كما كان، وينصحوننا بالانفتاح على محيطنا الخليجي وإخوتنا في صنعاء.
وربما يحمل أبو صلاح أشياء أخرى قد يفصح عنها لاحقا.
لقد كان بالإمكان الامتثال لمنطق العقل وإدارة دفة الوحدة الفالتة من عقالها نحو الدعوة لوحدة جنوبية - جنوبية بعد كل جراح الماضي النازف منذ الستينات وحتى تلك اللحظة الفارقة. وقد وجهت نصائح مثل هذه من حزب رابطة أبناء الجنوب وجبهة التحرير، رغم القطيعة العميقة، ولكن حزب عدن الحاكم كان لا يلتفت بجدية إلى أية دعوات للتريث عن هرولته إلى صنعاء.
وكان هناك من يستطيع تغطية الفراغ الذي خلفه السوفييت أو الروس مثل إخوتنا في المملكة العربية السعودية.
فالدخول إلى الوحدة خطأ بنصف الجنوب كمقدرات وبالاعتماد على حسن نوايا السلطة الشمالية؛ القبلية بطبيعة الحال، والقبيلي لا ينسى غريمه كما يقال، ناهيك عن الموقف المعلن للإخوان المسلمين ورأسهم الشيخ عبدالله بن حسين الرافض للوحدة مع (الشيوعيين)! سواء كان موقفهم عقائديا أو تكتيكيا فهو لتوزيع الأدوار، ونصب شرك محكم للمقبلين على الوحدة بنوايا صادقة ولكنها ساذجة أيضًا.
كان الأستاذ أحمد السقاف العضو المنتدب للهيئة العامة للجنوب والخليج العربي والشاعر المعروف؛ وهو من كبار دعاة القومية والوحدة العربية، يجد في الوحدة التي رفع علمها في عدن في 22 مايو 1990 م -وكان حاضرًا - وبعد حربين مريرتين بين البلدين في العام 1972 و 1979 م وبث إعلامي معادٍ بين الطرفين على مدى عقدين، لا يمكن أن تكون وحدة قابلة للاستمرار، وهو ما برهنت الأيام على صحته.
إن مشكلة القيادة في الجنوب؛ في ظل حزب تقوم قوته على فرضيات انتمائه واعتماده لحليف خارجي من العيار الثقيل، يدعم وجوده ويحافظ على استمراريته، ما يعني أنه يحمل ذرات انهياره أو موته ساعة يرفع الحليف الغطاء عنه.
ورأينا ما رأينا من تسلسل الأحداث طول الفترة من 1994 تاريخ احتلال الجنوب وانهيار الوحدة حتى استعادة الأرض في حرب 2015م دون أن نستعيد الدولة المفقودة.
تمت زيارة الرئيس القائد عيدروس الزبيدي لموسكو شهر أكتوبر الماضي، ويجب ألا نحمل الرجل فوق طاقته، فالاتحاد الروسي قد خرج من متاعبه السابقة جراء إرث ميخائيل غورباتشوف وبوريس يلتسن وأصبح الان على عهد القيصر القوي فلاديمير بوتين رقما لا يقبل القسمة على اثنين، ولكنه أيضا ليس هو الاتحاد السوفيتي وإن كان هو الوريث لذلك الاتحاد الميت. ونحن في الجنوب لسنا (جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية) وإن كنا نسعى لاستعادتها برؤى أخرى مغايرة.
و إذا كان الرئيس القائد عيدروس الزبيدي يستفيد من موقعه المتقدم في هيكلية الشرعية المعترف بها دوليا فذلك أمر يجب أن نتفهمه في السياسة ولعبة المصالح وفي إطار الممكن تكتيكيا للاستفادة منه في استراتيجيات عملنا القادم.
يجب علينا حقا أن نفرق بين ما هو تكتيكي في القول وفي بعض المظاهر على الأرض وبين ما هو استراتيجي يتعلق بالطموحات الوطنية الجنوبية الكبيرة المعلن عنها.
وما بيننا وبين الروس هو خلق فرص متبادلة، ليس اعتمادًا على التاريخ وحده، وإنما على المصالح المتبادلة، وذاك حق مشروع للجميع. فحتى اخوتنا في المملكة العربية السعودية قد ارتقت علاقتهم بالروس إلى أرفع المستويات، بعد إن كان الأشقاء يرون في الاشتراكية والشيوعية - المقبورة - عدوا لبلدهم.
فهل من المعيب أن يلتقي القائد عيدروس بارفع المستويات القيادية في الدولة الروسية؟ أم هو إنجاز بكل المعايير للجنوب. فعيدروس وإن كان نائبا لرئيس المجلس القيادي فهو رئيس المجلس الانتقالي ووجوده في الأول؛ لا ريب يخدم وجوده على رأس الانتقالي.
فأي خطوات يسيرها القائد عيدروس الزبيدي ضمن دوائر الشرعية لن تحجب عنه تطلعاته كرئيس للانتقالي الهادف استعادة الدولة المفقودة.



















