> عبد الجليل شائف*:

  • جنوب مستقر وذو حكم ذاتي حاجز وحيد وموثوق ضد التوسع الإيراني
> إن غياب أي مبادرة سياسية أو دبلوماسية دولية جادة لحل الأزمة اليمنية خلق، وللأسف، فراغًا استراتيجيًا — فراغًا تسارع إيران إلى استغلاله. ويتجلى ذلك بوضوح في شمال اليمن، حيث عمّقت طهران شراكتها مع الحوثيين.

وفي ظل غياب تدخل عالمي حاسم لإيجاد حل سلمي، لا تنظر إيران إلى اليمن باعتباره مجرد ساحة صراع أخرى، بل كمنصة رئيسية في مشروعها الإقليمي الأوسع لإعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط.

ومع تراجع نفوذ إيران التقليدي في سوريا، وضعف حزب الله في لبنان، وتفكيك بنية حركة حماس في غزة إلى حد كبير، باتت طهران تعتمد على الحوثيين باعتبارهم شريكها الوحيد الأكثر نشاطًا وموثوقية في المنطقة.

لذلك تحوّل اليمن من ساحة مواجهة محلية وإقليمية إلى ساحة صراع دولية كبرى — لها انعكاسات مباشرة على الملاحة العالمية، وأسواق الطاقة، والأمن الدولي. كما أن لهذا الصراع تأثيرات كبيرة على المواطنين اليمنيين الذين يعانون واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية الموثقة في التاريخ.
  • إعادة تموضع استراتيجي لإيران
إن تراجع نفوذها التقليدي دفع إيران إلى إعادة حساباتها الإقليمية. فـ«سوريا الأسد» لم تعد منصة متماسكة لنفوذ طهران، ولبنان ينهار اقتصاديًا وسياسيًا. في المقابل، يضخ الحرس الثوري الإيراني (IRGC) مزيدًا من الموارد إلى اليمن، حيث يوفر الحوثيون مزايا استراتيجية فريدة.

ومن خلال سيطرتهم على مساحات واسعة من شمال اليمن وقربهم من البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن، يتيح الحوثيون لإيران القدرة على إسقاط قوتها إلى ما وراء حدودها. وقد أشار مجلس العلاقات الخارجية (CFR) إلى أن هذا النفوذ بات يمتد إلى المجال البحري من خلال هجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ على السفن الدولية بغرض تعطيل التجارة العالمية والضغط على إسرائيل وحلفائها الغربيين.
  • من دعم تكتيكي إلى تحالف استراتيجي
ما بدأ بوصفه دعمًا تكتيكيًا محدودًا تطوّر إلى تحالف استراتيجي طويل الأمد. فقد أنشأ الحرس الثوري شبكات تهريب واسعة عبر عُمان وقرن أفريقيا لتزويد الحوثيين بأسلحة دقيقة، وفقًا لتقارير مجلس العلاقات الخارجية. ووصف تحليل صادر عن معهد كلينغنديل عام 2023 هذه العلاقة بأنها «شراكة استراتيجية متجذرة في مصالح جيوسياسية مشتركة». وقد تحوّل الحوثيون، الذين كانوا ذات يوم حركة قبلية متمردة، إلى ركن أساسي في استراتيجية الردع الإقليمية لإيران.

وأصبح هذا التحالف أكثر أهمية مع خشية طهران من أن تستثنى من أي ترتيب إقليمي جديد بعد حرب غزة. فإيران تدرك جيدًا أن أي اصطفاف دبلوماسي جديد في المنطقة من دونها يشكّل تهديدًا لأمنها طويل المدى. ومن خلال تمكين الحوثيين من تصعيد الهجمات عبر البحر الأحمر وإلى جنوب اليمن، تضمن طهران عدم تجاهلها.

كما أن إيران تعيد تشكيل مستقبل أي مفاوضات إقليمية، بإجبار جميع الأطراف على أخذ نفوذها في الاعتبار — من دون الحاجة للمشاركة المباشرة. ويتيح لها ذلك التصعيد عبر الوكلاء مع الحفاظ على «الإنكار المقبول»، وهو تكتيك أتقنته في العراق ولبنان وسوريا.
  • الجنوب في مرمى طهران
وفي الوقت الذي ينشغل فيه معظم المراقبين الدوليين بهجمات الحوثيين في البحر الأحمر، يكمن التهديد الأكثر إلحاحًا في الجنوب. فالمناطق المحررة في جنوب اليمن — الخارجة عن سيطرة الحوثيين والمتمتعة بمؤسسات جنوبية معتدلة — أصبحت اليوم في مرمى طهران مباشرة.

ومن خلال توسيع الهجمات الصاروخية والعمليات السرية، يستهدف الحوثيون مدن الجنوب مثل عدن وشبوة والضالع والمكلا، ويهددون البنى التحتية الحيوية في ممر باب المندب.

وكما ذكرت منصة «South24»، فقد أظهر الحوثيون قدرتهم على وقف صادرات النفط من الجنوب عبر استهداف موانئ الطاقة بالطائرات المسيّرة، ما يحرم البلاد من العملة الأجنبية ويدفع الحكومة المعترف بها دوليًا للاعتماد على الدعم الخليجي. وتتيح هذه الاستراتيجية لإيران والحوثيين خنق الجنوب اقتصاديًا من دون الحاجة لاحتلاله عسكريًا.

وفي الوقت نفسه، كشفت أجهزة الاستخبارات المحلية عن محاولات لزعزعة الاستقرار في المناطق المحررة عبر خلايا نائمة واستقطاب وكلاء محليين — في تكرار لأسلوب التدخل الإيراني في العراق ولبنان.

الهدف واضح: منع قيام جنوب موحّد ومستقر يمكن أن يشكّل بديلًا سياسيًا لسلطة الحوثيين. وتشير تقارير متعددة إلى أن الحسابات الاستراتيجية لإيران تستند إلى إبقاء اليمن مجزّأً وغير مستقر — بيئة تتيح لطهران ممارسة نفوذها عبر الفوضى ومنع أي طرف من فرض هيمنة تهدد وكلاءها.
  • التصعيد والكلفة الإنسانية
ردًا على هجمات الحوثيين الأخيرة، تحوّل تركيز إسرائيل من استهداف البنية التحتية إلى ضرب عناصر القيادة في صنعاء، وأوقعت عملياتها بطائرات مسيّرة قادة ميدانيين من المستوى المتوسط. ورغم أن هذه الضربات تحقق مكاسب تكتيكية، فإنها قد تدفع الحوثيين إلى أحضان إيران أكثر، مما يعمّق علاقة الوكالة.

وفي خضم هذا الصراع، يبقى المدنيون هم الضحية الأكبر. فالحوثيون يستغلون كل خسارة مدنية — حقيقية أو ملفقة — لأغراض دعائية، بينما يقمعون المعارضين عبر الاحتجاز التعسفي، وتجنيد الأطفال، ومضايقة موظفي المنظمات الدولية بما في ذلك الأمم المتحدة.
  • الحجة لصالح جنوب مستقر
وسط هذا التدهور، يبرز الجنوب المحرر بوصفه التوازن الوحيد الممكن أمام طموحات الحوثيين وإيران. ويحكم الجنوب المجلس الانتقالي الجنوبي (STC)، وقد أظهر استعداده للتعاون مع المجتمع الدولي في مجالات الأمن والاستقرار وحماية الملاحة. وقد أكدت زيارات رئيس المجلس عيدروس الزبيدي إلى واشنطن والعواصم الأوروبية هذا الاستعداد — وقرعت جرس الإنذار بشأن التهديدات المتنامية من الشمال.

إن دعم جنوب اليمن ليس عملًا خيريًا، بل ضرورة للأمن الإقليمي والدولي. فبفضل سيطرته على الموانئ الرئيسية وموارد الطاقة والممر المائي الحيوي في باب المندب، يؤدي الجنوب دورًا أساسيًا في حماية التجارة الدولية وردع التوسع الإيراني. وكما وثّقت «Friends of South Yemen» ومنصات أخرى، فإن استقرار الجنوب ضروري لحماية سبل العيش المحلية ومسارات التجارة العالمية.

لقد أصبح اليمن اليوم في قلب إعادة الاصطفاف الإقليمي والتنافس بين القوى الكبرى وحروب الوكالة. فالحوثيون لم يعودوا مجرد فصيل يمني — بل هم الوكيل الأكثر نشاطًا عملياتيًا لإيران في مرحلة ما بعد غزة. لكن الاختبار الحقيقي أمام المجتمع الدولي لا يكمن في إدانة عدوان الحوثيين فحسب، بل في تمكين البديل الوحيد الممكن: جنوب يمني مستقر وذو حكم ذاتي قادر على تأمين مستقبله وحماية المصالح العالمية.

* عن منصة فير أوبزيفر