> المكلا "الأيام" خاص:
- "مجلس قيادة" حضرمي ضرورة يتطلبها إبقاء حضرموت جنوبية متماسكة
التصعيد المتسارع لقوات "الدعم الأمني" المحسوبة على الانتقالي الجنوبي، وتردد قوات حماية حضرموت، وتمدد ألوية درع الوطن وتراجع فاعلية المنطقة العسكرية الثانية، يبدو الواقع أقرب إلى لحظة يراد فيها رسم خارطة جديدة غير معروفة الملامح أو إدخال المحافظة في أتون صراع عسكري قبلي واستقطابات سياسية على طريق التمزيق.. واقع ضبابي يكشف الحاجة إلى قيادة حضرمية جامعة، قادرة على ضبط إيقاع القوى العسكرية والقبلية والسياسية، وتحييد حضرموت عن أتون الصراع الإقليمي. وعنده هذه الصورة تتوزع خارطة المشهد على أربعة محاور رئيسية:
- النخبة.. الأكثر حضورًا وقبولًا
هذا الانسجام الذي شدد عليه البحسني مرارًا مكّن المنطقة العسكرية الثانية من الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار، رغم الضغوط المتزايدة ومحاولات أطراف إقليمية استغلال اسم النخبة لتمرير تشكيلات مسلّحة لا تمت لها بصلة. ومع ظهور قوات "الدعم الأمني" القادمة من خارج حضرموت، حاول الانتقالي تقديمها كامتداد للنخبة لتخفيف الاحتقان الشعبي، في إشارة إلى رغبة واضحة باحتواء "العلامة الأمنية" الأكثر قبولًا في المحافظة. غير أن هذا الاستغلال لم ينجح عمليًّا، إذ يدرك الشارع الحضرمي خصوصية قواته المحلية، ويعي الفارق بين قوة تشكلت من رحم المجتمع وأخرى جاءت في سياق صراع نفوذ خارجي. ومع ذلك يستمر غياب موقف رسمي واضح من النخبة والمنطقة العسكرية الثانية، ما يترك مساحة للتأويلات حول حدود السيطرة الفعلية على الأرض.
- بن حبريش.. مشروع قبلي غامض
ومع أن السعودية لم تعلن دعمها المباشر لهذه القوات، إلا أنها تعاملت معها بسياسة "غضّ الطرف"، في محاولة لخلق بيئة تتيح لاحقًا نشر قوات "درع الوطن" دون صدام مع القوى القبلية، غير أن هذا الوضع الهشّ وضع قوات حماية حضرموت في مرمى الاستهداف، إذ باتت تُصوّر في خطاب الانتقالي وكأنها العقبة الأخيرة أمام تمدده نحو الهضبة ومناطق النفط. وقد ظهر ذلك بوضوح في خطاب أبو علي الحضرمي الذي هاجم بن حبريش واتهم قواته بقطع الطرق وتهريب المخدرات، وهو خطاب حمل نبرة تهديد مباشرة توحي بأن المرحلة القادمة قد تشهد محاولات حقيقية لتصفية أو تقييد نفوذ قوات بن حبريش القبلية والأكثر حضرمية.
هذا التصعيد دفع مقربين من بن حبريش للحديث عن "ضوء أخضر" منحته أطراف سعودية للانتقالي، لكن سرعان ما تراجعت تلك الاتهامات أو سحبت من المنصات، في مؤشر على حساسية الملف وتعقيد الحسابات بين الرياض وأبوظبي. وهكذا تبقى قوات حماية حضرموت رقمًا مؤثرًا في الخارطة، لكنها بلا رؤية واضحة تحدد موقعها في أي تسوية مستقبلية.
- الدعم الأمني… انفلات أم تعزيز
ومن بين مظاهر الانفلات، تعمّدت قوات الدعم الأمني الدخول في مواجهات مع مسلحين قبليين في عدة مناطق، واعتقلت أبناء قبائل الحموم، فيما ظهرت المنطقة العسكرية الثانية في موقف المحايد أو العاجز عن السيطرة، إذ بدا ذلك عندما قال قائد المنطقة اللواء طالب بارجاش لإحدى الشخصيات القبلية: "لا تسألوني.. أنا لست مسؤولاً عن هذا". وهو تصريح فُهم على أنه إعلان رسمي عن فقدان السيطرة على القوات التي تُنسب شكلياً للمنطقة الثانية وتدار فعليًّا من قبل المجلس الانتقالي وهذا ليس انتقاصا من مكانة المنطقة العسكرية إذا وُظف لتعزيز التكامل مع القوى الحضرمية والجنوبية الأخرى ومنها الانتقالي.
هذا الوضع يهدد بتفجير السلم القبلي الذي حافظت عليه حضرموت لسنوات، ويجرّ المحافظة نحو صراع لا تخفي مؤشرات نُذره، خصوصًا مع تشكّل انطباع بأن القوات القادمة من خارج حضرموت لا تراعي حساسيات البنية الاجتماعية الحضرمية ولا تدرك تعقيدات العلاقة بين القبيلة والمؤسسة الأمنية.
- قيادة حضرمية جامعة
أثبت البحسني خلال سنوات قيادته أنه قادر على جمع الأطراف حول ميثاق الشرف الحضرمي الذي يقدّم مصلحة حضرموت على أي اعتبار آخر. كما قاد النخبة الحضرمية والمنطقة العسكرية الثانية في أصعب المراحل دون أن يسمح بتحولها إلى أدوات صراع خارجي، وهو ما يجعل من حضوره اليوم خياراً عملياً تفرضها الحاجة إلى قيادة مركزية تضمن وحدة المصير ووحدة القرار.
بوابة الخروج من الأزمة تكمن في تشكيل مجلس حضرمي مصغّر أو قيادة موحدة تقود القوى العسكرية والقبلية وتمنع المصادمات وتحد من خطر الاستقطابات والتوظيف والاستغلال، فحضرموت اليوم أمام لحظة فارقة: إما أن تذهب نحو مشروع حضرمي خالص يضمن استقرارها في إطار دولة جنوبية فيدرالية يكون فيها الحضارم وحضرموتهم رأس الحربة، أو تصبح ساحة مفتوحة لصراع الآخرين على حساب أبناء الأرض ليبقوا هم أدواتها وحطبها.
حضرموت لن تُحمى إلا بقيادة حضرمية جامعة، وبمشروع حضرمي لا يخضع للاستقطاب الخارجي، وبإحياء روح الميثاق الحضرمي وبأيدي عقلاء وأكفاء سياسيًّا وعسكريًّا وقبل فوات الأوان.

















