> سيئون "الأيام" خاص:

  • كيف تحولت معسكرات الإخوان إلى بؤرة إرهاب في خاصرة السعودية؟
  • إخراج "العسكرية الأولى" من حضرموت ضرورة أمنية للسعودية ودول الخليج
> تُعدّ المنطقة العسكرية الأولى في وادي حضرموت واحدة من أعقد الملفات الأمنية والعسكرية في اليمن خلال العقود الماضية، ليس فقط بسبب تموضعها الجغرافي الحيوي، بل نتيجة تحوّلها إلى معقل ثابت لجماعة الإخوان المسلمين (حزب الإصلاح) التي تمكّنت من بناء نفوذ متجذّرة داخل مؤسستها العسكرية، على نحو جعلها تبدو أقرب إلى "إقطاعية عسكرية" مغلقة منها إلى منطقة يفترض أن تخضع لقرارات الدولة أو مهامها الوطنية.

وعلى الرغم من التحولات الكبيرة التي شهدتها الجنوب منذ هزيمة الحوثيين في العام 2015، ظلّ وجود هذه القوات في حضرموت خارج سياق المعركة الوطنية الجنوبية وخارج حتى اليمنية، ومتماشيًا سياسيًا وأمنيًا مع مصالح الجماعة أكثر من ارتباطه بواجبات الجيش المفترض أن يتصدّر الدفاع عن الدولة ومواجهة الانقلاب الحوثي.

ظهر جليًا خلال سنوات الحرب أن قيادات المنطقة الأولى المحسوبة على حزب الإصلاح لم تُبدِ أي نية حقيقية للانخراط في مواجهة الحوثيين، رغم قربها الجغرافي من الجبهات ورغم سهولة تحريك قواتها قياسًا بتعقيدات جبهات الشمال الأخرى. ومع ذلك، اكتفت هذه القوات بالتموضع داخل وادي حضرموت، تمارس دورًا إداريًا وأمنيًا انتقائيًا، وتتجنب أي صدام مع الحوثيين، بل وتتبادل معهم حالة "عدم الاعتداء" التي لا يمكن تفسيرها بعيدًا عن الترتيبات السياسية غير المعلنة بين التنظيم الدولي للإخوان من جهة، وقيادة الجماعة الحوثية من جهة أخرى. وفي حين دفعت الجيش اليمني والقوات الجنوبية أثمانًا باهظة في جبهات الشمال والجنوب، بقيت قوات المنطقة الأولى ثابتة في مواقعها، متجنبة مواجهة الحوثي، بينما اتجهت طاقتها في معظم الحالات نحو قمع الاحتجاجات الحضرمية والتضييق على القوى الجنوبية المناوئة للإخوان.

هذا الواقع خلق شعورًا عامًا لدى أبناء حضرموت والجنوب بأن المنطقة الأولى تحوّلت إلى "جيش موازٍ" لا يمثل الدولة بقدر ما يمثل مشروعًا حزبيًا، بل أصبح عبئًا مباشرًا وخطرًا على السكان، وسببًا في اختلال الأمن وانتشار الجريمة ودعم المليشيات التابعة للجماعة، فالعديد من التقارير المحلية والدولية أشارت خلال السنوات الماضية إلى ارتباط ضباط وجنود في المنطقة الأولى بشبكات تهريب وسلاح وجماعات مسلحة مدعومة عقائديًا أو ماليًا من دوائر مرتبطة بالإخوان، وهي ممارسات ساهمت في تقويض الاستقرار في الوادي وعرقلة جهود السلطات المحلية.

ويتجاوز تأثير هذا الوجود حدوده المحلية ليصل إلى مربع الأمن الإقليمي، إذ أن تمركز قوات ذات ولاء أيديولوجي لجماعة الإخوان في منطقة استراتيجية بالقرب من الحدود السعودية يشكّل من الناحية الأمنية والاستراتيجية ثغرة مباشرة في الأمن القومي لدول الخليج، خاصة في أن التجارب أثبتت قدرة الإخوان على تغيير تحالفاتهم وفق حسابات التنظيم الدولي، وليس وفق أولويات الأمن المشترك.

يزداد القلق الإقليمي عندما تتعزز القناعة بأن هذه القوات لم تُختبر في مواجهة الانقلاب الحوثي، بل حافظت على علاقات هادئة مع الجماعة الحوثية، بينما انشغلت في الوقت ذاته بكبح أي صعود للقوى الجنوبية التي أثبتت فاعليتها وقدرتها على حماية الأرض ومواجهة التنظيمات الإرهابية منذ العام 2015.

وتشير الوقائع الميدانية إلى أن المنطقة العسكرية الأولى لم تكن يومًا جزءًا من معركة التحرير الوطنية بقدر ما كانت جزءًا من المعادلة السياسية التي سعت جماعة الإخوان إلى الحفاظ عليها لضمان نفوذ سياسي في الجنوب، وليكون وجودها في الوادي خط دفاع متقدم يمنع أي تغيير ديموغرافي أو إداري أو عسكري يسمح بانتقال السلطة إلى قوى جنوبية أو حضرمية.. هذا الإدراك يفسر كثيرًا من الأحداث التي شهدتها حضرموت، ومنها محاولات قمع الاحتجاجات، وحماية عناصر متشددة، ومنع قيام قوة أمنية جنوبية أو حضرمية بديلة تضبط الوادي وتعيد الاستقرار إليه.

ولعلّ أبرز ما يعزز حق الجنوبيين والحضارم في المطالبة بإنهاء وجود المنطقة الأولى هو التحول العميق الذي شهدته المنطقة بعد تأسيس قوات النخبة الحضرمية ودعم التحالف العربي لتشكيل قوى جنوبية مهنية أثبتت قدراتها في مكافحة الإرهاب وتأمين المدن والطرق والمنشآت الحيوية. فهذه القوات خلافًا للمنطقة الأولى خاضت مواجهات مباشرة ضد القاعدة وداعش والحوثيين، وأظهرت التزامًا واضحًا بمفهوم الدولة بعيدًا عن الولاءات الحزبية أو الأيديولوجية. ومن هنا بات من حق السكان الطبيعي، سياسيًا وأمنيًا، أن يطالبوا بإحلال قوات جنوبية محترفة بدل القوات المحسوبة على حزب الإصلاح، بما يضمن بسط الأمن والاستقرار ويوقف حالة العبث التي لازم الوادي منذ عقود.

ويستند هذا المطلب إلى معايير دولية واضحة في إدارة الأمن الإقليمي. فالدول عادةً ترفض تمركز قوات مؤدلجة أو ذات ارتباطات عابرة للحدود في مناطق حساسة أو قرب حدود دول صديقة، لأنها تمثّل تهديدًا محتملاً قد يتحول إلى أداة بيد أطراف غير مستقرة سياسيًا. ومن منظور الأمن الخليجي، فإن وجود قوات تتبع جماعة الإخوان المعروفة بتحالفاتها المتقلبة على تخوم الحدود السعودية يمثّل ثغرة يجب معالجتها. في المقابل أثبتت القوات الجنوبية أنها أكثر انضباطًا ومهنية، ولا تحمل أجندة أيديولوجية أو ارتباطًا بحركات عابرة للحدود، ما يجعلها الخيار الطبيعي لضمان أمن وادي حضرموت وخطوط الإمداد الحيوية.

وتعزز التطورات السياسية في الجنوب واليمن هذا الاتجاه. فالمزاج العام شمالًا وجنوبًا بات أكثر إدراكًا لخطورة عسكرة الإخوان داخل مؤسسات الدولة، خاصة بعد تورط قيادات إصلاحية في صفقات سرية مع الحوثيين خلال السنوات الأخيرة، واتخاذهم موقفًا رماديًا في معارك مفصلية كسقوط نهم والجوف ومأرب؛ ونتيجة لذلك سادت قناعة لدى القوى الإقليمية والدولية بأن المنطقة الأولى لم تعد جزءًا من الحل، بل جزءًا من المشكلة، وأن استمرار وجودها سيبقي حضرموت ساحة مفتوحة لعبث الجماعة ومصالحها المتشابكة.

على هذا الأساس يتجه المشهد السياسي والعسكري نحو إعادة تصحيح الوضع في وادي حضرموت بما يتوافق مع مصالح السكان المحليين وأولويات الأمن القومي لدول الجوار، ومع تصاعد الاحتجاجات الحضرمية، وتقدم القوات الجنوبية إلى تخوم المنطقة العسكرية الأولى، تتزايد المؤشرات على أن مرحلة جديدة تقترب، مرحلة يكون فيها الوادي تحت سيطرة قوات مهنية غير مؤدلجة، قادرة على حماية السكان وتأمين الطرق النفطية والاقتصادية الحيوية، وتحصين الحدود الجنوبية للمملكة من أي نشاط معادٍ أو تحالفات عابرة للحدود.

حق الجنوبيين والحضارم في طرد قوات المنطقة الأولى ضرورة أمنية لحماية الاستقرار ومنع أي فراغ يمكن أن تستغله الجماعات المتطرفة أو التنظيمات المرتبطة بالإخوان. كما أنه خطوة باتجاه بناء نموذج أمني دائم في حضرموت، يعتمد على قوات محلية أو جنوبية مؤهلة، ويقطع الطريق أمام المشاريع الحزبية التي حولت الجيش اليمني إلى تركة سياسية تتقاذفها الأجندات المتصارعة. ومن شأن هذا التحول أن يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من البناء الأمني والسياسي، تسمح لأبناء حضرموت بإدارة شؤونهم بعيدًا عن ثقل القوى التي عكست لسنوات طويلة موازين السياسة في الوادي لإرغامه على البقاء داخل دائرة نفوذ الإخوان.

وبينما يتغير ميزان القوى في الجنوب واليمن عمومًا، يبدو أنّ مستقبل المنطقة العسكرية الأولى يتجه نحو نهاية طبيعية، فالحواضن الشعبية لفظت وجودها، والقوى الإقليمية لم تعد ترى فيها شريكًا يمكن الاعتماد عليه، والقوات الجنوبية باتت جاهزة لملء الفراغ. وعلى كل هذه المعطيات، يصبح منطقيًا أن يُعاد تموضع هذه القوات خارج حضرموت، وأن يُبنى الأمن المحلي على ثقة السكان، لا على موروثات النفوذ الحزبي التي أثبتت فشلها.