قلت له مبادرا: لقد ناقضت زهير في قوله:

سأمت تكاليف الحياة ومن يعش

ثمانين حولا لا أبا لك يسأم

ضحك العطروش الكبير؛ ضحك، وفي القرارات النفسية والوجدانية لكلينا التناقض؛ ليس بالسنين الثلاث والثمانين التي بلغها الرجل دون سأم، ولكن التناقض في العطاء المتجدد للعطروش؛ ودون انقطاع البتة حتى في ليلة عيد ميلاده؛ تلك التي اشرنا إليها، وقد جئنا إليه مباركين فوجدناه يصول ويجول مع فرقة من أمهر العازفين وهو يلقنهم لحنا جديدًا جادت به قريحة الشاعر المعروف علي حيمد احتفاء بعيد مولد العطروش.


ولعل العيد أسعف الشاعر المرهف حيمد أن يقول كما قال يوما شاعر العرب الأكبر الجواهري في مدح الملك الحسين:

يا سيدي أسعف فمي ليقولا

في عيد مولدك الجميل جميلا

أسعف فمي يطلعك حرا ناطفا

عسلا وليس مداهنا معسولا.

تذكرت ذلك، لكنني تذكرت أيضا ما للعطروش من فعل في الزمان يكاد يكون سفرًا مضيئًا لم يدانه فيه إلا الكبار القلائل من هم على وزنه ممن يزنهم التاريخ بمعايير الخلود.


عندما اختط العطروش شابا السير في الطريق الصعب.. طريق الإبداع، كان يعي أن مكنوناته الإبداعية وموهبته أكبر من أن تسجله فنانا وكفى.

ما لديه كان يسفر عن نهر من الإبداع يتفجر في دواخله ليضع نفسه خالقا لمدرسة فنية متكاملة، تتخطى حوض أبين الثقافي والموسيقي وحتى الحوض الوطني برمته وكأنه يستشرف بموسيقاه تلك الهاجس العربي في الغناء والطرب والموسيقى من (عزة الميلاء) و(ابن سريج) وإلى أبعد من اللحظة التي وقف فيها؛ في ستينات القرن الماضي، أمام عميد المعهد العالي للموسيقى في قاهرة المعز بتوصية من قطب أقطاب الأمة العربية جمال عبدالناصر، الذي صارحه بأن توصيته تلك قد لا تجد شيئًا من القبول عند عميد معهد صعب المراس فنيا.


ولكنها وجدت، وربما كانت فراسة عميد المعهد سببا لقبوله عندما تطلع أو استطلع النار الكامنة في صدر الفتي الصغير الأسمر القادم من الجنوب، ما يجعل العطروش إضافة حسنة بما تكتنزه خابية حواسة من موروث وفلكلور لا شك إنها واحدة من أصول الموسيقى العربية على الإطلاق.

ما نقوله سردا نظريا سوف يجده الناس في موسيقى العطروش ألحانا وأغان كانت تدفع بالغناء في بلادنا إلى مصافات إنسانية راقية.

كان العطروش وفيا للفكرة الإنسانية في الفن والموسيقى التي عاش ومات من أجلها الموصلي وابنه إسحاق وزرياب وعريب جارية الرشيد وحتى الخلفاء المنشودون والمغردون: الخليفة الواثق وقبله جده إبراهيم بن المهدي إلى عبدالله بن المعتز صاحب:

سقى المطيرة ذات الظل و الشجر

ودير (عبدون) هطال من المطر

يا طالما نبهتني للصبوح به

في زرقة الفجر و العصفور لم يطر

و كاد ضوء هلال يفضحنا

مثل القلامة قد قدت من الظفر

فكان ما كان مما لست أذكره

فظن خيرا ولا تسأل عن السبب

وإلى الأمير أحمد فضل القمندان القائل:

المحبة عذاب من صابها الله بها صاب

يا حقيب الخضاب

يا زين ليه التقلاب

في الحسيني مست خبره جماعة وأصحاب

والسمر طاب طاب

يا زين ليه التقلاب

يسحبوا الإنس بين الفل والورد سحباب

في جناين عجاب

يا زين ليه التقلاب

هذا الإلهام الضخم يتمثل في رجل يدب بيننا الآن، شموخا يدنيه من الأرض تواضعا ومن إنسان هذه الأرض تصويرا لإحاسيسه وأنينه وتطلعاته، وهل يستطيع غير العطروش فعل ذلك بفنه الذي زامل التاريخ منذ ولادته الجديدة في بلادنا، زمالة الصانع للتاريخ لا المتفرج من خارجه.


عندما غنى للثورة قبل أن تندلع شرارتها كان يستلهم القادم الجديد ويبشر به. ثم واكب الثورة بمعطيات جمال الموسيقى فكان ما يقوله امضى قوة من الرصاص والقنابل. وعندما سكتت البنادق بعد أداء مهمتها ظلت (بوس التراب) حية تتنفس من الرئة التي نتنفس منها.

بينما (برع يا استعمار) التي سبقت الثورة تلهم مناضلين عرب في فلسطين و لبنان بعد ثلاث و ستين سنة من إنشادها الرائع بصوت العطروش.

أما روائع العطروش الخالدة فهي نبض الغناء في هذه الأرض ليس بمحدودية الحياض السيادي وإنما لتبلغ بعدا إنسانيا بحاجة لتفنيد وشرح وتدريس للوصول إلى كنه ومعيار وجوهر الكبير عطروش بما لا يتسع له المجال الآن.

عمرا مديد يا سلطان.