> محمد فوزي:

في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، ولا سيما التداعيات الأمنية للحرب الإسرائيلية الأخيرة متعددة الجبهات، برزت تحديات متزايدة طالت الممرات الملاحية في المنطقة، وفي مقدمتها البحر الأحمر.

وفي هذا السياق، تتعاظم أهمية جنوب اليمن بوصفه أحد المحددات الرئيسية لاستقرار هذه المنافذ البحرية، ودوره في دعم منظومة الأمن الإقليمي، بالنظر إلى موقعه الجغرافي المطل على مضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، إضافة إلى امتداده الساحلي الواسع على بحر العرب وخليج عدن.

وضمن هذا الإطار، أثارت التحركات الميدانية الأخيرة للمجلس الانتقالي الجنوبي في محافظتي حضرموت والمهرة تساؤلات متعددة حول انعكاساتها على الأمن والاستقرار في البحر الأحمر، والدور المحتمل للقوات الجنوبية في تثبيت الاستقرار بهذا الممر الملاحي الحيوي، ومواجهة التهديدات المحيطة به.

أولًا: أهمية الجنوب كعنصر استقرار لأمن البحر الأحمر

تتعاظم أهمية محافظات جنوب اليمن بالنسبة لمنظومة الأمن البحري في منطقة الشرق الأوسط، وذلك في ضوء مجموعة من الاعتبارات والعوامل الرئيسية:

1 - الظهير الساحلي لجنوب اليمن: تمتد سواحل المحافظات الغربية من منطقة حوف شرقًا إلى مضيق باب المندب غربًا على طول نحو 1800 كم تقريبًا، بما يجعل مناطق جنوب اليمن الأكبر عربيًّا من حيث المساحة البحرية، وتُشير بعض التقديرات إلى أنّ مساحة الجنوب البرية تبلغ نحو 330,000 كيلومتر مربع، بينما تصل مساحته البحرية إلى ما يقارب 900,000 كيلومتر مربع، أي أنّ مساحة الجنوب البحرية أكبر بثلاثة أضعاف من مساحته البرية. فضلًا عن امتلاك الجنوب أرخبيل سقطرى ما يمنحه امتدادًا استراتيجيًّا في المحيط الهندي وبحر العرب.

ويمكن القول في ضوء ذلك، إنّ أهمية منطقة جنوب اليمن في أحد أبعادها ترتبط بأهمية باب المندب، والذي يعد واحدًا من أهم الممرات والمضايق الملاحية في العالم، عبر ربطه لخطوط المواصلات التجارية بين البحر الأحمر والبحر المتوسط، عن طريق دمج خطوط الملاحة البحرية بين الدول الأوروبية ودول البحر الأحمر من جانب، وكذا بين دول المحيط الهندي ودول جنوب شرق آسيا ودول البحر المتوسط مرورًا إلى المحيط الأطلنطي وشمال غرب أوروبا من جانب آخر.

2 - القدرات الكامنة لجنوب اليمن: يمنح الموقع الاستراتيجي لمحافظات جنوب اليمن هذه المنطقة مجموعة من الخصائص والمميزات الجيوبوليتيكية والاستراتيجية، وتكمن أهمية جنوب اليمن في أنه يشترك مع الشمال بحماية أهم الممرات المائية في العالم "باب المندب"، كما أنّ جنوب اليمن يشرف على جزر ومسطحات مائية واسعة تتوزع عليها عدد من الموانئ الهامة التي تشكل عاملًا حيويًّا للاقتصاد اليمني، بالإضافة إلى أنّ محافظات شرق جنوب اليمن تمتلك مخزونًا كبيرًا من الثروات النفطية والغازية والمعدنية التي تعد رافدًا اقتصاديًّا شديد الأهمية.

3 - الجنوب كأساس لمواجهة التهريب: في ضوء الأهمية الاستراتيجية لمناطق جنوب اليمن، تمثّل هذه المناطق مساحة رئيسية لتأمين ممرات التهريب وتحديدًا في محافظتيّ حضرموت والمهرة، على اعتبار أنّ النقاط الاستراتيجية والحدودية والبحرية في هاتين المحافظتين ساهمت خلال السنوات الأخيرة ومن خلال عمليات التهريب السابقة في تطوير القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة للحوثيين. فضلًا عن كونها أحد نقاط "التخادم" الحوثي مع العديد من التنظيمات الإرهابية كما في حالة حركة شباب المجاهدين الصومالية التابعة لتنظيم القاعدة الإرهابي.

4 - أهمية جنوب اليمن بالنسبة للأمن الإقليمي: باتت العوامل الجيواستراتيجية والجيوسياسية ذات ارتباط وثيق بمنظومة الأمن القومي والأمن الإقليمي، بل تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى محدد رئيسي له، خصوصًا مع حالة السيولة التي تطغى على التفاعلات الصراعية في منطقة الشرق الأوسط. حيث يشير مفهوم الأمن القومي إلى البعد الاستراتيجي الذي تتفاعل فيه طبيعة الحدود الجغرافية للدولة التي تتداخل مع طبيعة العلاقة بالجوار.

وفي ضوء هذا المنظور للأمن القومي، يُعد جنوب اليمن وبحكم موقعه الاستراتيجي الحيوي صمام أمان للممرات البحرية العالمية، كما أنّه خط دفاع رئيسي عن منطقة الجزيرة العربية بسواحله الممتدة من المهرة إلى باب المندب، كما أنه ركيزة أساسية لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وعمليات التهريب وتأمين السواحل، بما يدعم الاستقرار إجمالًا في منطقة الخليج والقرن الإفريقي، فضلًا عن أنه ضرورة حيوية لأمن الطاقة والتجارة العالمية.

ثانيًّا: تداعيات التطورات الأخيرة في جنوب اليمن على البحر الأحمر

حملت التحركات الأخيرة للمجلس الانتقالي الجنوبي في محافظتي حضرموت والمهرة، العديد من التداعيات المهمة بالنسبة لمنطقة البحر الأحمر، وهي التداعيات التي يُمكن تناولها في ضوء الآتي:

• كانت حالة عدم الاستقرار وعدم الفاعلية الأمنية على مستوى التعامل مع وضبط السواحل اليمنية، مصدر تهديد كبير ليس فقط للأمن اليمني، بل لمنظومة الأمن الإقليمي ككل، ليس فقط ارتباطًا بعمليات التهريب والتهديدات الملاحية من الفاعلين من دون الدول، بل لاعتبارات مرتبطة بعدم القدرة على التعامل مع تدفقات اللاجئين، سواءً على المناطق الحدودية سواء مع المملكة العربية السعودية التي تبلغ حوالي 1800 كم أو الحدود مع سلطنة عمان التي تزيد عن 280 كم.

• كذلك فإن ضبط الموانئ الرئيسية وموارد الطاقة والممر البحري الحيوي والحدود الساحلية مع باب المندب الذي يمر منه يوميًّا نحو 4 ملايين برميل نفط، وهي كلها مقدرات موجودة في منطقة جنوب اليمن، تعد ضمانة رئيسية لحماية التجارة العالمية وأمن الطاقة.

• باتت العديد من النقاط الاستراتيجية في مناطق الجنوب مثل موانئ عدن والمكلا، إلى جانب جزيرة بريم وأرخبيل سقطرى، عمليًّا تحت نفوذ وسيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي، وهو اعتبار من شأنه توفير الخدمات اللوجستية البحرية، ومكافحة الإرهاب وجماعات الجريمة المنظمة العابرة للحدود.

• تمثّل التطورات الأخيرة استكمالًا لعملية "الرمح الذهبي" التي انطلقت في يناير 2017، والتي ساهمت في تحرير مدن الساحل الغربي من قبضة ميليشيا الحوثي، وهي تحركات تساهم بشكل كبير في تحجيم الميليشيا الانقلابية، وتأمين أحد أهم الممرات الملاحية البحرية في المنطقة، وإغلاق أحد أبرز أبواب التهريب التي كانت تتم عبر السواحل من قبل الحوثيين. إذ كانت حالة الهشاشة الأمنية التي تسيطر على مناطق شرق جنوب اليمن، تمثل أرضية خصبة لانتشار شبكات التهريب والتمويل غير المشروع، فضلًا عن نشاط العديد من الميليشيات المسلحة.

• أنهى تقدم المجلس الانتقالي الجنوبي في حضرموت والمهرة عمليًّا النفوذ العسكري الأهم والأخير للفصائل المحسوبة على حزب التجمع اليمني للإصلاح "الإخوان المسلمين"، فضلًا عن الحوثيين، كما أنّ هذا النفوذ للمجلس الانتقالي الجنوبي سوف ينعكس على أولوية مواجهة تنظيم القاعدة الإرهابي في مناطق جنوب اليمن.

ثالثًا: فرص "الانتقالي الجنوبي" في فرض الاستقرار بالبحر الأحمر

وضع جنوب اليمن من خلال تحركات المجلس الانتقالي الأخيرة في حضرموت والمهرة نفسه كفاعل مهم وحيوي ليس فقط على مستوى هذه المناطق الحيوية، بل على مستوى منظومة الأمن الإقليمي ككل. ويمكن الاستدلال على هذه الفرضية من خلال مجموعة من المؤشرات الرئيسية، وأولها أنّ هذا التمدد من "الانتقالي الجنوبي" يقلل من حجم المناورة الحوثية الإيرانية عبر مناطق جنوب اليمن، ومن هنا يمكن فهم الموقف الإيراني المندد بهذه التحركات، وهو الموقف الذي لم يأت كاستجابة لما وصفته إيران بوحدة اليمن بقدر ما ارتبط بكونه استجابة لتآكل العمق العملياتي الإيراني على اعتبار أنه يُحجم من المسارات اللوجستية التي كانت تُتخذ لدعم الحوثيين.

وثانيها، أنّ هذه السيطرة وفي ضوء توجهات المجلس الانتقالي الجنوبي، فضلًا عن الوضع الإقليمي والدولي الراهن، خصوصًا استراتيجيات الولايات المتحدة في المنطقة والتي تؤكد على ضرورة تأمين الممرات الملاحية الرئيسية، من شأنها أن تساهم في زيادة وتيرة التعاون والتنسيق لتثبيت حالة من الاستقرار في منطقة البحر الأحمر.

وثالثها أنّ "الانتقالي الجنوبي" لديه العديد من الميزات والفرص التي قد تدعم مهمته لتحقيق الأهداف السالف الإشارة إليها، خصوصًا مع كونه شريكًا موثوقًا بالنسبة للعديد من الأطراف الدولية، فضلًا عن هيكلته ومؤسساته الأمنية المنظمة بدرجة كبيرة، وتحوّله إلى أحد أهم الفاعلين العسكريين في المشهد اليمني في السنوات الأخيرة، فضلًا عن سجله الميداني الكبير في مواجهة التنظيمات المتطرفة والإرهابية.

وبشكل عام يمكن القول، إنّ مهمة المجلس الانتقالي الجنوبي في مرحلة ما بعد التمدد في حضرموت والمهرة، لا تخلو من التحديات، خصوصًا فيما يتعلق بمدى القدرة على بناء التفاهمات حول وضع محافظات جنوب اليمن، فضلًا عن التحرك نحو بناء هياكل أمنية تضمن سد الفراغ الأمني المنتشر في هذه المناطق. بالإضافة لسيناريو المواجهة مع الحوثيين وحزب الإصلاح "الإخوان المسلمين"، ويُضاف إليها موقف العديد من الأطراف الإقليمية والدولية، ومدى تعاون هذه الأطراف في مواجهة التحديات الأمنية التي تواجهها مناطق الجنوب.

"سوث24"