يا رب حي رخام القبر مسكنه
ورب ميت على أقدامه انتصبا
(نزار قباني)
في ضجيج اللحظة الحاضرة؛ بتسارع وقائعها نحو استعادة دولة الجنوب؛ هلت علينا ذكرى وفاة الأستاذ الكبير عمر الجاوي السابعة والعشرين ونحن في غفلة عن الذكرى عن الذكرى أقول: لكن الجاوي لم يغب لحظة من الضمير الحي لهذه الأمة باعتباره أحد صناع التاريخ لمرحلة الثورة والدولة الحديثة في بلادنا.
الجاوي كان استشرافيا على السياسة من الثقافة، مذ تكويناته الأولى في الوهط وتبلور وعيه الحر في مصر عبدالناصر أثناء دراسته هناك ابتداء من منتصف خمسينات القرن العشرين.
لم يكن مجرد طالب يسابق الزمن للتخرج، ولم يكن مدفونا بين كتبه وكراريسه وراء أربعة جدران. كان عمر خروجا عن المألوف مناضلا طلابيا بالسياسة من خلال النقابة أو ما هو في حكمها، عندما تم تأسيس منظمة موحدة للطلاب اليمنيين كأول هاجس وحدوي على مستوى البلاد المجزأة بين حكم الإمامة والاستعمار في عدن وسلطنات الجنوب الأخرى، كان لعمر نصيب الأسد في صناعتها إلى جانب زملائه محمد عمر السقاف (إسكندر) أول رئيس لها؛ وأبو بكر السقاف وأحمد الشجني ومحمد جعفر زين السقاف وعبدالكريم الأرياني وعلي عيدروس السقاف.. وآخرون كثر لا تحضرني أسماؤهم الآن.
وهم خليط سياسي مثقف غلبته من الماركسيين والقوميين والبعث.
ولأن عمر أديب بالفطرة و سياسي بالغريزة و يركب (الصعب) في سبيل ما يؤمن به؛ ولأن تكوينه السيكلولوجي قريب دائما من فكرة المعارضة السياسية منها إلى الموالاة؛ فقد لازم اليسار المصري المعارض في تلك الفترة، وتحمل الأذى والملاحقة ثم الطرد من مصر مع طلاب آخرين على رأسهم أبوبكر السقاف.
ثم أعاد محمد البدر ولي عهد الإمام أحمد أرسالهم للدراسة في بلدان اشتراكية نكاية بعبدالناصر، فاستقر في جامعة موسكو العريقة مع زميله و(بلدياته) أبوبكر السقاف.
كان الشابان بما يمتلكان من قاعدة معرفية تنامت مبكرًا في وطنهما، يستطيعان الآن الانغماس في البيئة الجديدة بمفاهيمها المعروفة ويتخطان ما هو اعتيادي طلابي بالانفتاح على الحياة الأكاديمية في موسكو، كما هو حالهما سابقا في مصر. إلا أن الاتفاق والتقاطع كان حاضا: فعمر تغلب عليه السياسة بما هي فعل حركي؛ نقابي أيضا، فأسس رابطة الطلبة اليمنيين بكل ما يحمله ذلك التأسيس من ارتباط بمجريات الوطن بكل منعطفات الثورة والاستقلال وظهور الجمهورية الأولى في صنعاء وعدن.
أما أبوبكر فكان تأصيليا كلاسيكيا في دراسته مبهرًا في تجاوز مرحلته كطالب ليرقى إلى مصاف أعلى من كينونة الطالب، فيدرس معا الفلسفة وعلم الجمال، ويسعى إلى تأسيس قسم الدراسات الإسلامية (كرسي) في جامعة موسكو. ويستطيع أبوبكر من هذه النوافذ استشراف السياسة على طريقته بإضفاء هالات من الثقافة والفلسفة وعلم الجمال عليها.
عندما يقطع عمر الجاوي دراسته ويعود لمناصرة الثورة يسعى إلى تأصيل العمل الإعلامي الجديد بالتأسيس والعمل وينخرط في الاصطفاف قياديا للدفاع عن صنعاء أثناء حصارها الشهير على مطلع 1968 م، بما في ذلك تنظيم المقاومة الشعبية وما لحقه من أذى أثناء ذلك بنصوع فكرته الوطنية في وجه الطبقة الحاكمة الجديدة بتشعباتها القبلية والحزبية يمثل أحد أطرافها النافذة الفريق حسن العمري.
والجاوي أشهر من وثق لحصار السبعين بكتابه المعروفة (حصار صنعاء) وهو ريبورتاج يومي لوقائع الحصار و بلغة ترقى إلى مستوى كتابة محمد حسنين هيكل بالعبارات القصيرة المكثفة كما أخبرني الشاعر عبدالله البردوني ذات يوم.
وتطل فكرة المعارضة في فكره السياسي؛ أكاديميا هذه المرة، في أطروحته لرسالة الماجستير الموسومة بـ (الصحافة النقابية في عدن) التي تناول فيها صحيفتي (العامل) و(العمال) قبل الاستقلال، مشيرا فيها - عرضا - إلى لائحة الإدارة البريطانية لتنظيم الصحافة؛ التي - من وجهة نظري - أقل مستو من منظومة اللوائح أو القانون البريطاني لتنظيم الصحافة في بريطانيا ، إلا أنها أرقى ديمقراطيا من قانون الصحافة في دولة الاستقلال الذي أقل ما يوصف بأنه شرعن لمجزرة الصحافة الوطنية قبل الاستقلال.
وكان بإمكانه إنهاء مرحلة الدكتوراه وقد شرع فيها فعلا في جامعته الأم، لولا استدعائه من قبل أمين الجبهة القومية الحاكمة عبدالفتاح إسماعيل لإدارة الإذاعة والتلفزيون مطلع السبعينيات. ولكنه لم يستمر سوى عام واحد لاصطدامه مباشرة مع وزير الإعلام حينها عبدالله الخامري على خلفية إذاعته لمسلسل شهري عن الشاعر الغنائي العملاق الأمير أحمد فضل القمندان؛ الممنوع إعلاميا بحجة تصنيفه عند الوزير المغالي إقطاعيا ورجعيا.. إلخ.
كان الجاوي أقرب إلى فكرة الاشتراكية واليسار بصفة عامة؛ لا على الطريقة السائدة في الجنوب مذ الاستقلال 1967 م، وإنما على طريقته هو؛ بالديمقراطية نسيجا وقائيا ملزما للنظم والكيانات السياسية. وكان على تقاطع تماما مع تحالف القبيلة والعسكر في الشمال، ولذلك أنتمى إلى التكوينات المعارضة الأقرب إلى فكره ومعتقده السياسي من التشكيلات السرية في الشمال وإن لم يظل فيها طويلا. ثم يجد ضالته المنشودة في تأسيس اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين الذي لعب دورا تنويريا دون إغفال دوره السياسي ومدى تأصيله لفكرة الوحدة اليمنية ببواعث ديمقراطية، بعد أن استطاع الجاوي من انتزاع ما يشبه الحصانة له وللاتحاد في نطاق ما يكتب وما يطرح في الاتحاد وصحيفته (الحكمة) وإن كانت تلك الحصانة لا تحترم في أحيان كثيرة ؛ في الشمال تحديدا، فتعرض الجاوي للضرب والمضايقات وظل قابضا على فكرته السياسية والفكرية بشجاعة القابض على جمرة من جهنم.
وعلى عتبات وحدة 1990م كان الجاوي الصوت الأقوى المنادي بالتعددية الحزبية والديمقراطية في الجمهورية الموحدة. إذ كان يدرك أن الوحدة بدون تشريع دستوري للديمقراطية في الحياة السياسية الجديدة سوف يجعل فكرة قتل الوحدة والعودة بها إلى مثلث الموت: الضم والإلحاق والاحتلال، خطرًا قائمًا لمعرفته بالتركيبة القبلية والسياسية والثقافية للحاكمين في صنعاء. ولكنه ظل مؤملًا حدوث اختراق لصالح الوطن بثقل ومكانة الحزب الاشتراكي الشريك في الحكم والقوى السياسية الجديدة خاصة وإن جماهير الشمال كانت تتململ من حكم الهضبة الشمالية منذ قرون.
وعندما جرت الوقائع المرة بوأد الوحدة و احتلال الجنوب في 1994م كان صوت الجاوي يصل عبر أثير المحطات الأهم مثل bbc وغيرها للتنديد بما تعرضت له العاصمة عدن من نهب وفيد على أوسع نطاق من قبل جيش الشمال ومليشيات الإخوان المسلمين وجحافل القبائل الهمجية. وسخر قلمه للتنديد بما أحدثه الاحتلال عبر كتاباته الجريئة في صحيفة "الأيام" أو (التجمع) صحيفة حزبه.
ولعلنا في هذا السياق نتذكر مقالته الشهيرة (سقوط الشرعية في المكلا) وغيرها من المقالات والندوات والمشاركة في الاعتصامات والمسيرات في حضرموت وعدن ومنها المسيرة الداعمة لـ (الأيام) وللناشرين الأستاذين هشام - رحمه الله - وتمام باشراحيل - أطال الله في عمره.
رحم الله أستاذ الوطنية الأول عمر عبدالله الجاوي (السقاف).
ورب ميت على أقدامه انتصبا
(نزار قباني)
في ضجيج اللحظة الحاضرة؛ بتسارع وقائعها نحو استعادة دولة الجنوب؛ هلت علينا ذكرى وفاة الأستاذ الكبير عمر الجاوي السابعة والعشرين ونحن في غفلة عن الذكرى عن الذكرى أقول: لكن الجاوي لم يغب لحظة من الضمير الحي لهذه الأمة باعتباره أحد صناع التاريخ لمرحلة الثورة والدولة الحديثة في بلادنا.
الجاوي كان استشرافيا على السياسة من الثقافة، مذ تكويناته الأولى في الوهط وتبلور وعيه الحر في مصر عبدالناصر أثناء دراسته هناك ابتداء من منتصف خمسينات القرن العشرين.
لم يكن مجرد طالب يسابق الزمن للتخرج، ولم يكن مدفونا بين كتبه وكراريسه وراء أربعة جدران. كان عمر خروجا عن المألوف مناضلا طلابيا بالسياسة من خلال النقابة أو ما هو في حكمها، عندما تم تأسيس منظمة موحدة للطلاب اليمنيين كأول هاجس وحدوي على مستوى البلاد المجزأة بين حكم الإمامة والاستعمار في عدن وسلطنات الجنوب الأخرى، كان لعمر نصيب الأسد في صناعتها إلى جانب زملائه محمد عمر السقاف (إسكندر) أول رئيس لها؛ وأبو بكر السقاف وأحمد الشجني ومحمد جعفر زين السقاف وعبدالكريم الأرياني وعلي عيدروس السقاف.. وآخرون كثر لا تحضرني أسماؤهم الآن.
وهم خليط سياسي مثقف غلبته من الماركسيين والقوميين والبعث.
ولأن عمر أديب بالفطرة و سياسي بالغريزة و يركب (الصعب) في سبيل ما يؤمن به؛ ولأن تكوينه السيكلولوجي قريب دائما من فكرة المعارضة السياسية منها إلى الموالاة؛ فقد لازم اليسار المصري المعارض في تلك الفترة، وتحمل الأذى والملاحقة ثم الطرد من مصر مع طلاب آخرين على رأسهم أبوبكر السقاف.
ثم أعاد محمد البدر ولي عهد الإمام أحمد أرسالهم للدراسة في بلدان اشتراكية نكاية بعبدالناصر، فاستقر في جامعة موسكو العريقة مع زميله و(بلدياته) أبوبكر السقاف.
كان الشابان بما يمتلكان من قاعدة معرفية تنامت مبكرًا في وطنهما، يستطيعان الآن الانغماس في البيئة الجديدة بمفاهيمها المعروفة ويتخطان ما هو اعتيادي طلابي بالانفتاح على الحياة الأكاديمية في موسكو، كما هو حالهما سابقا في مصر. إلا أن الاتفاق والتقاطع كان حاضا: فعمر تغلب عليه السياسة بما هي فعل حركي؛ نقابي أيضا، فأسس رابطة الطلبة اليمنيين بكل ما يحمله ذلك التأسيس من ارتباط بمجريات الوطن بكل منعطفات الثورة والاستقلال وظهور الجمهورية الأولى في صنعاء وعدن.
أما أبوبكر فكان تأصيليا كلاسيكيا في دراسته مبهرًا في تجاوز مرحلته كطالب ليرقى إلى مصاف أعلى من كينونة الطالب، فيدرس معا الفلسفة وعلم الجمال، ويسعى إلى تأسيس قسم الدراسات الإسلامية (كرسي) في جامعة موسكو. ويستطيع أبوبكر من هذه النوافذ استشراف السياسة على طريقته بإضفاء هالات من الثقافة والفلسفة وعلم الجمال عليها.
عندما يقطع عمر الجاوي دراسته ويعود لمناصرة الثورة يسعى إلى تأصيل العمل الإعلامي الجديد بالتأسيس والعمل وينخرط في الاصطفاف قياديا للدفاع عن صنعاء أثناء حصارها الشهير على مطلع 1968 م، بما في ذلك تنظيم المقاومة الشعبية وما لحقه من أذى أثناء ذلك بنصوع فكرته الوطنية في وجه الطبقة الحاكمة الجديدة بتشعباتها القبلية والحزبية يمثل أحد أطرافها النافذة الفريق حسن العمري.
والجاوي أشهر من وثق لحصار السبعين بكتابه المعروفة (حصار صنعاء) وهو ريبورتاج يومي لوقائع الحصار و بلغة ترقى إلى مستوى كتابة محمد حسنين هيكل بالعبارات القصيرة المكثفة كما أخبرني الشاعر عبدالله البردوني ذات يوم.
وتطل فكرة المعارضة في فكره السياسي؛ أكاديميا هذه المرة، في أطروحته لرسالة الماجستير الموسومة بـ (الصحافة النقابية في عدن) التي تناول فيها صحيفتي (العامل) و(العمال) قبل الاستقلال، مشيرا فيها - عرضا - إلى لائحة الإدارة البريطانية لتنظيم الصحافة؛ التي - من وجهة نظري - أقل مستو من منظومة اللوائح أو القانون البريطاني لتنظيم الصحافة في بريطانيا ، إلا أنها أرقى ديمقراطيا من قانون الصحافة في دولة الاستقلال الذي أقل ما يوصف بأنه شرعن لمجزرة الصحافة الوطنية قبل الاستقلال.
وكان بإمكانه إنهاء مرحلة الدكتوراه وقد شرع فيها فعلا في جامعته الأم، لولا استدعائه من قبل أمين الجبهة القومية الحاكمة عبدالفتاح إسماعيل لإدارة الإذاعة والتلفزيون مطلع السبعينيات. ولكنه لم يستمر سوى عام واحد لاصطدامه مباشرة مع وزير الإعلام حينها عبدالله الخامري على خلفية إذاعته لمسلسل شهري عن الشاعر الغنائي العملاق الأمير أحمد فضل القمندان؛ الممنوع إعلاميا بحجة تصنيفه عند الوزير المغالي إقطاعيا ورجعيا.. إلخ.
كان الجاوي أقرب إلى فكرة الاشتراكية واليسار بصفة عامة؛ لا على الطريقة السائدة في الجنوب مذ الاستقلال 1967 م، وإنما على طريقته هو؛ بالديمقراطية نسيجا وقائيا ملزما للنظم والكيانات السياسية. وكان على تقاطع تماما مع تحالف القبيلة والعسكر في الشمال، ولذلك أنتمى إلى التكوينات المعارضة الأقرب إلى فكره ومعتقده السياسي من التشكيلات السرية في الشمال وإن لم يظل فيها طويلا. ثم يجد ضالته المنشودة في تأسيس اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين الذي لعب دورا تنويريا دون إغفال دوره السياسي ومدى تأصيله لفكرة الوحدة اليمنية ببواعث ديمقراطية، بعد أن استطاع الجاوي من انتزاع ما يشبه الحصانة له وللاتحاد في نطاق ما يكتب وما يطرح في الاتحاد وصحيفته (الحكمة) وإن كانت تلك الحصانة لا تحترم في أحيان كثيرة ؛ في الشمال تحديدا، فتعرض الجاوي للضرب والمضايقات وظل قابضا على فكرته السياسية والفكرية بشجاعة القابض على جمرة من جهنم.
وعلى عتبات وحدة 1990م كان الجاوي الصوت الأقوى المنادي بالتعددية الحزبية والديمقراطية في الجمهورية الموحدة. إذ كان يدرك أن الوحدة بدون تشريع دستوري للديمقراطية في الحياة السياسية الجديدة سوف يجعل فكرة قتل الوحدة والعودة بها إلى مثلث الموت: الضم والإلحاق والاحتلال، خطرًا قائمًا لمعرفته بالتركيبة القبلية والسياسية والثقافية للحاكمين في صنعاء. ولكنه ظل مؤملًا حدوث اختراق لصالح الوطن بثقل ومكانة الحزب الاشتراكي الشريك في الحكم والقوى السياسية الجديدة خاصة وإن جماهير الشمال كانت تتململ من حكم الهضبة الشمالية منذ قرون.
وعندما جرت الوقائع المرة بوأد الوحدة و احتلال الجنوب في 1994م كان صوت الجاوي يصل عبر أثير المحطات الأهم مثل bbc وغيرها للتنديد بما تعرضت له العاصمة عدن من نهب وفيد على أوسع نطاق من قبل جيش الشمال ومليشيات الإخوان المسلمين وجحافل القبائل الهمجية. وسخر قلمه للتنديد بما أحدثه الاحتلال عبر كتاباته الجريئة في صحيفة "الأيام" أو (التجمع) صحيفة حزبه.
ولعلنا في هذا السياق نتذكر مقالته الشهيرة (سقوط الشرعية في المكلا) وغيرها من المقالات والندوات والمشاركة في الاعتصامات والمسيرات في حضرموت وعدن ومنها المسيرة الداعمة لـ (الأيام) وللناشرين الأستاذين هشام - رحمه الله - وتمام باشراحيل - أطال الله في عمره.
رحم الله أستاذ الوطنية الأول عمر عبدالله الجاوي (السقاف).



















