> الرياض"الأيام" العرب اللندنية:

​على مدى عقود، استند أمن الخليج إلى نموذج ردع واضح نسبيا: الولايات المتحدة تحمي تدفق الطاقة، وإيران تهدد بتعطيل الملاحة لكنها تتجنب عادة الإغلاق الكامل لمضيق هرمز، بينما تعتمد دول الخليج العربية على المظلة الأمنية الأميركية وتتجنب المواجهة المباشرة مع طهران.

ويقول محللون أن هذا النموذج لم يختف تماما، لكن أزمة المنطقة في عام 2026 كشفت حدوده بوضوح.

ودخل الخليج اليوم بيئة استراتيجية جديدة، أصبحت فيها “حالة عدم اليقين” نفسها أداة نفوذ.

ولم يعد الردع قائما فقط على الخطوط الحمراء المعلنة، أو الانتشار العسكري الواضح، أو الضمانات الرسمية للتحالفات. بل بات يتشكل بشكل متزايد عبر الإكراه غير المعلن، والتسريبات الانتقائية، والردود السرية، وهشاشة البنية التحتية، والضغط البحري، والغموض المحسوب.

هذه ليست عقيدة معلنة رسميا. فلم تعلن أي عاصمة خليجية اعتماد “الردع القائم على الغموض”. لكن التطورات الأخيرة تشير إلى أن الغموض يتحول تدريجيا إلى ممارسة إقليمية فعلية، حيث يلوّح الفاعلون بقدراتهم دون الكشف الكامل عنها، ويفرضون تكاليف دون اعتراف علني، ويتفاوضون وهم يمارسون الضغط، ويحافظون على هامش الإنكار مع إظهار الحزم في الوقت نفسه.

وتقدم السعودية المثال الأوضح على ذلك. فقد ذكرت وكالة رويترز في 12 مايو أن الرياض نفذت ضربات غير معلنة ضد إيران ردا على هجمات استهدفت أراضي المملكة خلال الحرب الإقليمية الأوسع، بحسب مسؤولين غربيين وإيرانيين.

ولا تكمن أهمية هذه الضربات فقط في حدوثها، بل في النمط الذي تعكسه: إذ يبدو أن السعودية جمعت بين الرد السري، وضبط النفس العلني، والحفاظ على المرونة الدبلوماسية.

ويكشف هذا المزيج الكثير من الدلالات الاستراتيجية. فمن خلال تجنب الإعلان الرسمي، استطاعت الرياض توجيه رسالة إلى طهران بأن استهداف المملكة ستكون له عواقب، من دون أن تضع نفسها في مسار تصعيد علني يصعب التحكم فيه. وهكذا أتاح الغموض للسعودية الردع والرد وخفض التصعيد في آن واحد.

وأما الإمارات العربية المتحدة، فتواجه تحديا مشابها ولكن بطابع مختلف. فقد أفادت وكالة أسوشيتد برس في 17 مايو بأن ضربة بطائرة مسيّرة تسببت بحريق قرب محطة براكة النووية، دون وقوع إصابات أو تسرب إشعاعي.

ولم تسارع الإمارات إلى توجيه الاتهام لأي جهة، وهو أمر يحمل دلالاته الخاصة. ففي الخليج، لم تعد مسألة تحديد المسؤولية مجرد قضية استخباراتية، بل أصبحت خيارا استراتيجيا. فاتهام جهة معينة يخلق ضغوطا للرد، بينما يتيح الصمت الحفاظ على المرونة، لكنه قد يساهم أيضا في ترسيخ “الغموض القسري” كأمر طبيعي.

ويظل مضيق هرمز الساحة الرئيسية التي تتجلى فيها هذه المعادلة الجديدة. فإيران لا تحتاج إلى إغلاق المضيق بالكامل كي تحقق نفوذا استراتيجيا. فهي تستطيع التهديد أو التأخير أو التفتيش أو تقييد المرور أو السماح الانتقائي أو إعادة تعريف قواعد الملاحة.

وفي 12 مايو، نقلت رويترز عن مسؤول في بحرية الحرس الثوري الإيراني قوله إن طهران وسعت تعريفها لمضيق هرمز ليصبح “منطقة عمليات واسعة”.

ويحمل هذا التحول أهمية كبيرة، إذ لم يعد المضيق مجرد نقطة اختناق بحرية، بل أصبح “نظام تشغيل للإكراه الاستراتيجي”. فقوته لم تعد قائمة فقط على إمكانية الإغلاق المادي، بل على خلق حالة من عدم اليقين بشأن المرور البحري والتأمين والمرافقة العسكرية والرسوم والألغام وقواعد الاشتباك وحدود التصعيد.

فلا حاجة لإغراق ناقلة كي ترتفع أسعار النفط، ولا حاجة لاحتجاز سفينة كي ترفع شركات التأمين أقساطها، كما أن الممر لا يحتاج إلى إغلاق كامل كي يعيد تشكيل حسابات مصدري الطاقة الخليجيين والمستوردين الآسيويين والمخططين العسكريين الأميركيين.

وتدرك إيران هذه الحقيقة جيدا، إذ أصبح نفوذها يعمل عبر عدة مجالات غامضة في الوقت نفسه: الملاحة البحرية، والطائرات المسيّرة والصواريخ، والإشارات النووية، ونشاط الوكلاء، والمساومات الدبلوماسية.

وفي 12 مايو أيضا، حذر المتحدث باسم البرلمان الإيراني إبراهيم رضائي من أن إيران قد ترفع نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 90 بالمئة إذا تعرضت لهجوم جديد.

ولا يهدف هذا النوع من التصريحات بالضرورة إلى إعلان قرار نهائي، بل إلى توسيع مساحة الغموض، وزيادة الكلفة المتوقعة لأي عمل عسكري ضد إيران، ودفع الخصوم إلى الاستعداد لأسوأ السيناريوهات.

وفي المقابل، لا ترد الولايات المتحدة ودول الخليج فقط بالأدوات العسكرية، بل أيضا عبر أدوات قانونية ودبلوماسية. فقد ذكرت رويترز في وقت سابق من مايو أن واشنطن ودولا خليجية تعمل على إعداد مشروع قرار في مجلس الأمن بشأن مضيق هرمز، يركز على حماية الملاحة ورفض الرسوم غير القانونية والهجمات على السفن.

ويعكس ذلك أن الردع في الخليج لم يعد عسكريا فقط، بل يشمل أيضا أدوات قانونية واقتصادية وإعلامية.

لكن الغموض يبقى سلاحا ذا حدين. فهو قد يردع الخصوم من خلال زيادة عدم اليقين بشأن الكلفة، لكنه قد يؤدي أيضا إلى مزيد من عدم الاستقرار عبر جعل النوايا أكثر غموضا وصعوبة في القراءة.

فالردود السرية قد تفرض ثمنا دون تصعيد علني، لكنها تخلط أيضا بين حدود الردع والتصعيد. والهجمات غير المعلنة قد تمنع الحرب المباشرة، لكنها تجعل المحاسبة أكثر تعقيدا.

وأما الضغط البحري الانتقائي، فقد يحقق نفوذا، لكنه قد يطبع استخدام الإكراه كأداة دائمة.

وهنا يكمن الخطر الأعمق: فالغموض قد يمنع الحرب الشاملة، لكنه يجعل النزاعات المحدودة أكثر اعتيادا واستمرارا. فالأطراف تتعلم كيف تضرب دون اعتراف، وتهدد دون التزام، وتتفاوض دون تقديم تنازلات، وتصعّد دون إعلان واضح للتصعيد.

وفي هذا السياق، بدأت السعودية والإمارات بالفعل بمحاولة تقليل انكشافهما أمام المخاطر. فقد أشار مركز تشاتام هاوس إلى أن أزمة هرمز كشفت هشاشة بعض جوانب “رؤية السعودية 2030”، خصوصا اعتمادها على أمن الملاحة والطاقة.

كما ذكرت رويترز في 15 مايو أن الإمارات تسرّع العمل على خط أنابيب نفطي جديد عبر الفجيرة لمضاعفة طاقتها التصديرية بحلول 2027، بما يسمح بتجاوز مضيق هرمز.

وتشير هذه الخطوات إلى إدراك دول الخليج لحقيقة أساسية: الغموض قد يكون مفيدا تكتيكيا، لكن الهشاشة البنيوية تظل خطيرة.

كما تحتاج دول الخليج إلى آليات مشتركة لتحديد مصادر الهجمات، والدفاع ضد المسيّرات، ومراقبة الملاحة، وتعزيز الأمن السيبراني، وحماية البنية التحتية الحيوية.

وقد يمنح الغموض الاستراتيجي الدول هامش مناورة ويمنع التصعيد الفوري، لكنه يصبح خطيرا عندما يتحول من أداة ضمن الاستراتيجية إلى بديل عنها.

وقد تساعد الممارسة الخليجية الجديدة للردع في منع حرب إقليمية شاملة، لكن إذا أصبحت “حالة عدم اليقين” هي الأداة الرئيسية لتنظيم المنطقة، فإن الأزمة المقبلة ستكون أكثر غموضا، وأكثر صعوبة في الاحتواء، وأكثر خطورة في التوقف عند حدودها.