الخميس, 23 يوليو 2026
161
منذ أحداث حضرموت لم يتوقف قلمي عن الكتابة. كتبت عن رأيي بكل صراحة، وكتبت عن الرفاق في أبوظبي، وعن الرفاق في الرياض، وعن رفاق الداخل. لم أكتب دفاعًا عن أشخاص، بل دفاعًا عن قضية وطن، وحاولنا بكل ما نستطيع الحفاظ على تماسك الحركة الوطنية الجنوبية وصون ثوابتها.
كانت الصدمة كبيرة، بل قاسية، بعد ما شهدناه من انقسام وتشتت. مجموعة اتجهت إلى الرياض، وأخرى إلى أبوظبي، فيما بقي الداخل يعيش حالة ارتباك سياسي وعسكري وفراغًا سياسيًا خطيرًا ما زالت آثاره مستمرة حتى اليوم.
في البداية كان يمكن التعامل مع المشهد بمنطق رد الفعل، والوقوف في وجه محاولات الآخرين لتغيير الواقع وفرض مشاريعهم. لكنني كتبت مرارًا أن هذه المرحلة لا يمكن إدارتها بعقلية الأمس، وأن الواجب هو الخروج من الصدمة، وبناء استراتيجية وطنية جديدة، وأهداف جديدة، تليق بمرحلة انتهت فيها الشراكة وتبدلت فيها موازين القوى.
قد يصف البعض كتاباتي بالقاسية، لكنها لم تكن يومًا تصفية حسابات، بل كانت محاولة صادقة لتقييم التجربة وتصحيح المسار قبل فوات الأوان.
طالبنا بإعادة الهيكلة، وتجديد المؤسسات، وإعادة المناضلين الشرفاء ورجال الميدان إلى مواقعهم الطبيعية، والعمل وفق مؤسسات وتكليفات واضحة، لا وفق الاجتهادات الفردية. فكثير منا كان يُحسب على المجلس الانتقالي، لكنه لم يكن يحمل أي صفة تنظيمية أو مسؤولية رسمية.
للأسف، رُفض كل شيء حتى هذه اللحظة، وما زال النهج نفسه قائمًا؛ مراقبة وانتظار وردود أفعال.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي.
فالسياسة لا تنتظر أحدًا، وإذا توصلت القوى الإقليمية إلى تفاهمات جديدة، فلن يكون أمام من لا يملك مشروعًا واضحًا ولا رؤية للمرحلة سوى القبول بما يُفرض عليه. ومن لا يصنع الحدث، سيجد نفسه جزءًا من نتائج صنعها الآخرون.
والأخطر من ذلك أن أي تفاهمات قادمة قد تُقدَّم للرأي العام على أنها أمر واقع، وستخرج شخصيات لتكون "كبش فداء" وتعلن الموافقة، بينما يجد الشارع نفسه أمام واقع فُرض عليه لأنه لم تتم تعبئته بمشروع وطني واضح وأهداف محددة.
لقد تغير كل شيء.
في الأمس كنا قوة سياسية وعسكرية وأمنية فاعلة على الأرض، وكانت لذلك الواقع أهدافه واستراتيجيته. أما اليوم فقد تبدل المشهد بالكامل، ومع ذلك ما زلنا نبحث عن الإجابة التي لم تأتِ:
- ما هو وضع الجنوب بعد الخروج من الشراكة؟
- ما هي الاستراتيجية الوطنية الجديدة؟
- كيف تُدار العلاقة مع الداخل والإقليم؟
- كيف نحمي القضية الجنوبية في ظل المتغيرات الحالية؟
- وهل انتهت الالتزامات السابقة المرتبطة بالشراكة واتفاقيات الرياض، أم ما زال البعض يتصرف بعقلية مرحلة انتهت بالفعل؟
حتى الآن... لا توجد إجابة.
ولهذا، قررت التوقف عن الكتابة مرحليًا.
لقد قلت ما أراه حقًا، وأديت ما يمليه عليّ ضميري الوطني. أما الاستمرار في تكرار النصائح نفسها دون أن تجد من يسمعها، فلن يغير شيئًا.
سأغادر المشهد الإعلامي لبعض الوقت، لكنني سأعود عندما يحين الوقت المناسب. وإذا استمر الإصرار على العقلية القديمة وإدارة المرحلة بالأدوات نفسها، فسيكون لي موقف أوضح وأكثر صراحة.
أسأل الله التوفيق للجميع، وأتمنى أن تنتصر الحكمة قبل أن تفرض الوقائع نفسها، لأن التاريخ لا يرحم، والشعوب لا تغفر لمن أهدر فرصها.