فُجع الوسط الثقافي والإعلامي والأدبي برحيل الكاتب المسرحي والصحفي الكبير سعيد عولقي. رحل صاحب "التركة"، وتركنا نواجه "تركة" سياسية واجتماعية أثقل من الهمّ، بلا"غمزة" قلم أو سخرية هادفة تلطّف وجه الأيام العابسة.

كان الأستاذ سعيد مدرسة تمشي على قدمين، وكنتُ أنا – كغيري من مريدي الحرف – أتتبع خطاه. جمعتنا الأيام.. ونعمتُ بصحبته في حضرة "أستاذ الكل" طيب الذكر وعالي المقام، الراحل هشام باشراحيل، في دهاليز صحيفة "الأيام" الشهيرة ومنتداها الذي كان يجمع شمل الكلمة قبل أن يفرقنا دهرٌ لا يرحم. 
  • النبوءة.. ومقصلة "العم مسعود" (فخ الـ 90) 
في غمرة تجاربي الأولى مع الكتابة الساخرة، تجرأتُ ذات يوم وكتبتُ مقالة بعنوان "هدرة مع العم مسعود". كانت المقالة في ظاهرها حكاية اجتماعية، وفي باطنها إسقاط سياسي لاذع على خديعة "الوحدة اليمنية" التي دخلناها بنوايا مدنية بيضاء، ودون إدراك لمخاطرها وعيوبها مع شريك طغى عليه الطابع القبلي المتخلف.

تناولتُ فيها قصة عمنا "مسعود" (الذي يمثل حالنا كجنوبيين)، حيث قمعتْه قوانين ما قبل عام 90م وحرمته من "التثنية" بالزواج، فلما دخلنا في تلابيب الوحدة والانفتاح المزعوم، قيل له: "جاءتك الفرصة يا مسعود.. تزوج وجرّب التعدد!" (تمامًا كما قيل لنا: جاءتكم الديمقراطية والرخاء!).

المشكلة أن مسعودًا كان قد طعن في السن، وفعل به الزمان أفاعيله؛ فالهمة "شاحبة" والنظر "شحيح". ولأنه كان أعمى بصر وبصيرة عن تفاصيل الطرف الآخر، استعان بشاب وسيم (أشبه بالشعارات البراقة التي قادتنا لـ 22 مايو) ليكون دليله في رحلة البحث عن "عروس أحلامه" في منطقة نائية تسيطر عليها الأعراف القبلية. هناك، كان بانتظارهم فتاتان: واحدة كالبدر (التي تمنينا الحصول عليها)، والأخرى عرجاء (الواقع الحقيقي للمنظومة الأخرى).

وحين حانت "النظرة الشرعية"، أومأ الشاب الوسيم لعمنا مسعود بالموافقة، ولأن نظر عمنا "شيش بيش" ومأخوذ بفكرة العرس، قال مسعود فورًا دون تمعّن في العواقب:"وافقت!". 
  • الكارثة.. والثأر العابر للقوانين والحدود 
حين أزفت الآزفة وحان وقت الزفاف، أراد مسعود الذهاب لدار العروس، فصدموه بالحقيقة القبلية المُرة: "الطريق محفوف بالمخاطر يا عم مسعود، هناك ثأر بين قبيلتك وقبيلة على الطريق إلى قبيلة العروسة منذ ستين سنة!".

احتج العجوز مذهولًا من عودة هذا التاريخ المظلم: "من متى هذا الثأر؟!".

فرد عليه رفيقه الشاب بعبقرية تلخص حال الجنوب بعد الوحدة: "شف يا مسعود.. أيام النظام في الجنوب كانت القوانين صارمة، تفرض زوجة واحدة ومافيش ثأر ولا قبلية. الآن في ديمقراطية صنعاء الجديدة عندك زوجة ثانية وثالثة ورابعة.. لكنها تأتي بصك كامل مع عودة الثأر والجهل والفوضى!".

المهم، زُفت العروس وتلقفها مسعود في منتصف الطريق خوفًا من رصاص القبائل العشوائي، وسار خلفها إلى عش الزوجية. وقبل الولوج، اكتشف الفاجعة الكبرى.. العروس عرجاء ومشوهة! لطم مسعود رأسه وصاح مستغيثًا من الخديعة التي وقع فيها بعد أن فأت الأوان.

لكن الصدمة الأكبر كانت حين رأته العروس، فانفجرت بالبكاء عازفةً لحن الندم. قيل لها: "ما يبكيكِ؟" قالت: "خدعوني بهذا الشيبة المسن.. ظننت أن العريس هو ذلك الشاب الوسيم المدني الذي جاء يخطب!". (وهكذا بكت "الوحدة" على حالها، وبكينا على دولة النظام والقانون التي قايضناها بـ "عروس عرجاء").

هنا، تساوت الرؤوس في"الخديعة المشتركة"، فنط إليها مسعود، ومسح على رأسها مواسيًا بعبارته التي أصبحت مثلًا: "يا بنت الحلال.. لا عاد كُراث يضحك على بصال! أنا وقعت في الفخ وأنتي وقعتي.. وقولي سدينا على بركة الله وضاعت البلاد!". 
  • صك"العولقي" الممهور بالضحك والنبوءة 
حين قرأ الأستاذ سعيد عولقي هذه السطور، التقط الإسقاط السياسي والذكاء السردي فورًا؛ فهو خبير بـ "التركة" وخباياها. لم يبتسم مجاملة، بل ضحك بملء شدقيه ضحكةً هزت أركان المكان، والتفت إليّ بنظرة تملؤها النبوءة والإعجاب، وقال مستبشرًا: "لقد أصبت كبد الحقيقة والسخرية السياسية يا بني.. لك مستقبل كبير في هذا المضمار الساخر".

ولم يكتفِ بالثناء الشفهي؛ بل أمر فورًا بنشر المقالة باسمي في عموده الخاص بصحيفة "التجمع" التي كانت تصدر من عدن، ليكون ذلك النشر بمثابة "صك اعتراف" وشهادة ميلاد لكاتب ساخر عُمّد ببركة وعين عميد الساخرين.

رحم الله الأستاذ سعيد عولقي، غادرنا وتركنا في زمن نكتشف فيه كل يوم أننا ضحايا تلك "العروس العرجاء".. وقعنا لما وقعنا.