> «الأيام» العرب:

يحاول الجيش الأميركي التكيف مع وضع غير عادي في الصراع مع إيران؛ فليست هناك حرب شاملة لكن أيضا الأمر بعيد كل البعد عن السلام.

وعلى متن السفن الحربية وفي القواعد العسكرية في ‌أنحاء الشرق الأوسط، تعمل القوات الأميركية، التي يتعافى بعض أفرادها من إصابات، وسط تبادل لإطلاق النار مع إيران كل بضعة أيام، في ظل الحصار الذي تفرضه البحرية على الموانئ الإيرانية.

وفي الداخل تسعى وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) جاهدة لزيادة إنتاج ذخائر بدلا من التي استهلكتها العمليات، في وقت تواجه فيه أسر الجنود ضغوطا نفسية نتيجة لفترات الانتشار المطولة.

ويستمر أيضا رد إيران بهجمات على حلفاء للولايات المتحدة في المنطقة، مثل البحرين والكويت، اللتين استهدفتهما طهران بهجوم بصواريخ باليستية الجمعة.

وأعلن دونالد ترامب وقف إطلاق النار مع إيران في أبريل، لكن الحرب وصلت إلى حالة جمود، إذ أبقت طهران مضيق هرمز مغلقا إلى حد بعيد أمام الملاحة، وهدد ترامب بالعودة إلى قصف إيران على نطاق واسع إذا فشلت المفاوضات.

ويتطلب هذا التهديد من القوات الأميركية الحفاظ على حالة تأهب قصوى. وهذا يعني التأهب في كل شيء، مثل تزويد القواعد بالصواريخ ومقذوفات الاعتراض وأيضا جمع معلومات المخابرات من طائرات مسيرة وأقمار صناعية لتحديث قوائم الأهداف داخل إيران تحسبا لاستئناف القتال على نطاق واسع.

وقال مسؤول أميركي طلب عدم ذكر اسمه "الحفاظ على حالة التأهب المستمرة هذه من المستوى العاشر، والاستعداد للتحرك في أي لحظة، مهمة عملياتية صعبة للغاية ومجهدة".

ووصف جوزيف فوتيل، القائد السابق للقيادة المركزية للجيش الأميركي، المرحلة الحالية من الصراع بأنها “فترة خطيرة للغاية بالنسبة إلينا”. وقال إن الحفاظ على جاهزية القوات خلال فترة وقف إطلاق النار ليس أمرا هينا.

وأضاف "يضع هذا ضغطا كبيرا على القادة للتأكد من أن الجنود ما زالوا عند أقصى حدود جاهزيتهم".

وردا على طلب للحصول على تعليق، قال المتحدث الرسمي باسم البنتاغون شون بارنيل إن الجيش الأميركي على أتم الاستعداد لدعم القوات المنتشرة "بكل طريقة ممكنة".

وأضاف “تفتخر وزارة الحرب بقواتنا المذهلة… شجاعتهم واستعدادهم وعزيمتهم واحترافيتهم التي لا مثيل لها هي السبب في كونهم أعظم قوة قتالية في تاريخ البشرية”.

وبالنسبة إلى الجنود الأميركيين الذين يتعافون من إصاباتهم، يتطلب تحول الجيش لاستعداد حربي طويل الأمد تعديلات جوهرية في كل شيء.

والسرجنت كوري هيكس (37 عامًا) من بين الجرحى الذين يتعافون من هجوم بطائرة إيرانية مسيرة في بداية الحرب، وهي إصابة تسببت في توقف نبضه لعدة دقائق.

يعاني هيكس أيضا من آثار إصابة دماغية رضية ناجمة عن الانفجار قد تسبب له مشكلات صحية مدى الحياة نتيجة الشظايا التي قطعت شريانا وكسرت فكه. وقال لرويترز "بدا الأمر وكأن طائرة صغيرة ذات محرك مروحي تقترب بسرعة… ثم اصطدمت بالمبنى وانفجرت. أتذكر كرة كبيرة ساطعة من اللهب وضغطا وحرارة شديدين، ثم فقدت الوعي".

هيكس ليس الوحيد الذي يتأقلم مع الوضع الجديد. ويقول إن مركز والتر ريد الطبي العسكري الوطني في ماريلاند، حيث يتلقى العلاج، يتعامل مع زيادة جديدة في الحالات التي تحتاج إلى رعاية طبية من المصابين في ساحات القتال بعد مرور سنوات على حربي أفغانستان والعراق.

وأصيب نحو 400 جندي أميركي خلال الحرب، الكثير منهم أُصيبوا إصابات دماغية رضية مثل هيكس. وأفاد الجيش الأميركي بأن أكثر من 90 في المئة منهم عادوا إلى الخدمة. وقتل 13 جنديا.

وتواجه عائلات الجنود الأميركيين أيضا ضغوطا نفسية وسط حالة من الارتباك بشأن ما ‌يحدث خلال وقف إطلاق النار.

وتنشر وسائل إعلام إيرانية رسمية بشكل متكرر تقارير عن مهاجمة سفن وطائرات أميركية. والجمعة قالت إيران إنها أطلقت أعيرة تحذيرية على سفن حربية أميركية في خليج عمان، وهو ما ينفيه الجيش الأميركي.

وقالت ياديرا ديسينت، والدة سرجنت في قوات الاحتياط بالجيش من وادي سان فرناندو ‌في كاليفورنيا، “من المخيف حقا عدم معرفة تفاصيل ما يحدث بالضبط”.

وطلبت ديسينت عدم ذكر اسم ابنها خوفا من عواقب من الجيش الأميركي. وشاركت في احتجاجات للمطالبة بإنهاء الحرب التي أضرت بشعبية ترامب.

وأظهر استطلاع رأي أجرته رويترز/إبسوس في مايو أن واحدا فقط من كل أربعة مشاركين قال إن العمل العسكري الأميركي في إيران يستحق العناء.

وقالت ديسينت إن ابنها شهد هجمات متعددة على موقعه بطائرات إيرانية مسيرة، وتساقط حطامها حوله بعد اعتراضها بواسطة الدفاعات الجوية.

وأضافت "عادة أبعث برسالة نصية ‌كل يوم أقول فيها ‘صباح الخير يا بني. أحبك’… بين الحين والآخر، أتلقى رسائل مثل ‘أحبك يا أمي’ أو ‘اشتقت إليك’ أو ما شابه".

وفي الوقت الذي تتفاوض فيه الولايات المتحدة وإيران على اتفاق محتمل لفتح مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره 20 في المئة تقريبا من نفط العالم قبل الحرب، يزيد ترجيح أن أي اتفاق سيؤدي إلى تمديد وقف إطلاق النار مع تأجيل مناقشة بعض القضايا الأكثر تعقيدا، مثل البرنامج النووي لطهران.

ويشير ذلك إلى أن حالة الجمود المتوترة والمطالب المفروضة على الجيش الأميركي ستستمران. وتتجلى علامات الضغط على العمليات العسكرية في الإنفاق الهائل على الذخائر خلال الحرب.

وقال وزير الدفاع الأميركي بيت هيجسيث إن الأمر قد يستغرق سنوات لإعادة ملء مخزونات الولايات المتحدة من الصواريخ والمقذوفات الاعتراضية بالكامل.

وأوضح توم كاراكو، مدير مشروع الدفاع الصاروخي في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن العاصمة، أن الأمر لا يقتصر على تناقص المخزونات فقط.

وتابع قائلا "الحروب مكلفة.. تستنزف المعدات والأفراد، وكذلك الصواريخ التي يتم إطلاقها". وبقي هيكس على اتصال مع رفاقه في الشرق الأوسط بعد عودته إلى ولاية ماريلاند، ويشعر بعضهم بالإحباط بسبب تمديد مهمات الانتشار مع استمرار الأزمة.

وقال "إنهم الآن في وضع أفضل بكثير مما كانوا عليه. لم يعد التهديد بالسوء الذي كان عليه"، في إشارة إلى تراجع العمليات القتالية.

لكن هيكس يحمل في قلبه ندبة من فقد ستة من زملائه في الهجوم الذي أصيب فيه في الكويت ومنهم السرجنت نيكول أمور، التي كانت تبلغ من العمر 39 عامًا.

وقال "كنت أتحدث مع السرجنت أمور عندما وقعت ضربة الطائرة المسيرة. كانت على بعد حوالي 10 أقدام مني… إنه أمر سأضطر إلى التعامل مع تأثيره طوال حياتي".