> «الأيام» وكالات:

أعادت إيران فتح ملف مضيق هرمز إلى واجهة الجدل الدولي بعدما تحدث مسؤولون إيرانيون عن شروط جديدة لتنظيم الملاحة في الممر البحري الأهم عالميًا، بما في ذلك فرض رسوم على السفن العابرة، في خطوة تعكس سعي طهران إلى استثمار موقعها الجغرافي ونفوذها البحري في مرحلة ما بعد الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

وجاءت التصريحات على لسان السفير الإيراني لدى موسكو كاظم جلالي، الذي قال الاثنين إن مضيق هرمز سيفتح أمام الملاحة البحرية، ولكن وفق شروط جديدة ستحددها إيران وسلطنة عمان، مضيفًا أن البلدين يقدمان خدمات تتعلق بإدارة المضيق وأن هذه الخدمات ينبغي أن تكون مقابل رسوم.

ورغم أن المسؤول الإيراني لم يقدم تفاصيل إضافية بشأن طبيعة هذه الرسوم أو آلية تطبيقها، فإن تصريحاته أعادت إشعال النقاش حول مستقبل الملاحة في أحد أهم شرايين الطاقة والتجارة العالمية.

وتأتي هذه التصريحات في وقت لا تزال فيه تداعيات الحرب تلقي بظلالها على حركة النقل البحري في الخليج. فالمواجهة العسكرية وما رافقها من تهديدات متبادلة أدت إلى تراجع ملحوظ في حركة ناقلات النفط والغاز الطبيعي المسال عبر المضيق، الذي يمر عبره عادة نحو خُمس إمدادات النفط العالمية.

أي رسوم إضافية أو إجراءات تنظيمية جديدة قد تؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين والشحن، وهو ما سينعكس في نهاية المطاف على أسعار الطاقة والسلع الأساسية حول العالم.

وعلى الرغم من استئناف بعض السفن رحلاتها خلال الأسابيع الأخيرة، فإن مستويات التدفق لم تعد بعد إلى معدلاتها الطبيعية.

ويبدو أن طهران تسعى إلى تحويل موقعها الجغرافي الاستراتيجي إلى ورقة نفوذ سياسية واقتصادية في أي ترتيبات إقليمية أو دولية مقبلة. فمن وجهة النظر الإيرانية، لا ينبغي أن يقتصر دورها على ضمان أمن المضيق وحمايته، بل يجب أن يقترن ذلك بعائدات مالية أو ترتيبات جديدة تعكس ما تعتبره مسؤولية مباشرة في إدارة هذا الممر الحيوي.

غير أن هذه الرؤية تواجه رفضًا واسعًا من الولايات المتحدة ودول الخليج العربية. فواشنطن تعتبر أن حرية الملاحة في الممرات الدولية تمثل مبدأ أساسيًا لا يمكن التفاوض عليه، وقد سبق لمسؤولين أميركيين أن حذروا من أي خطوات تهدف إلى فرض رسوم أو قيود على السفن العابرة.

كما أن دول الخليج تنظر إلى مضيق هرمز باعتباره ممرًا دوليًا لا يخضع لسيادة دولة بعينها، وترى أن أي محاولة لفرض رسوم أحادية الجانب قد تشكل سابقة خطيرة تمهد لتسييس حركة التجارة العالمية.

وتزداد حساسية هذه المسألة بسبب الأهمية الاقتصادية للمضيق. فإلى جانب النفط الخام، تمر عبر هرمز كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال والسلع التجارية المتجهة إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية.

ولذلك فإن أي رسوم إضافية أو إجراءات تنظيمية جديدة قد تؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين والشحن، وهو ما سينعكس في نهاية المطاف على أسعار الطاقة والسلع الأساسية حول العالم.

كما تخشى شركات الملاحة الدولية من أن يؤدي الغموض المحيط بالقواعد الجديدة المقترحة إلى زيادة المخاطر التشغيلية في المنطقة. فشركات الشحن تعتمد على الاستقرار القانوني ووضوح القواعد المنظمة للممرات البحرية الدولية، وأي تغييرات مفاجئة قد تدفعها إلى إعادة حساباتها التجارية أو المطالبة بعلاوات تأمين أعلى، ما يضيف أعباء جديدة على الاقتصاد العالمي.

ومن الناحية السياسية، تكشف التصريحات الإيرانية عن محاولة لإعادة صياغة قواعد اللعبة في الخليج بعد الحرب الأخيرة. فبدلاً من الاكتفاء باستخدام التهديد بإغلاق المضيق كورقة ضغط تقليدية، تبدو طهران وكأنها تتجه نحو طرح نموذج جديد يقوم على إدارة المرور البحري وفق شروط تتيح لها تحقيق مكاسب اقتصادية وتعزيز حضورها الإقليمي.

لكن نجاح هذه المقاربة لا يبدو مضموناً. فسلطنة عمان سارعت إلى نفي وجود أي خطط مشتركة مع إيران لفرض رسوم على السفن العابرة، كما أن القوى الدولية الكبرى المستفيدة من حرية الملاحة في هرمز من المرجح أن تعارض أي ترتيبات قد تفرض أعباء إضافية على حركة التجارة والطاقة.

وفي ظل استمرار التوترات الإقليمية وتبادل الرسائل بين إيران وخصومها، يبقى مضيق هرمز أكثر من مجرد ممر مائي. فهو اليوم يمثل ساحة جديدة للصراع على النفوذ والمصالح الاقتصادية، حيث تحاول طهران استثمار موقعها الاستراتيجي لفرض شروط جديدة، بينما تتمسك الأطراف الأخرى بمبدأ حرية الملاحة باعتباره أحد الأسس الرئيسية للاستقرار الاقتصادي العالمي.