> «الأيام» غرفة الأخبار:

تشير الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، وما أعقبها من تفاهمات أولية لوقف التصعيد وإعادة فتح مضيق هرمز، إلى أن منطقة الخليج دخلت مرحلة جديدة من التفكير في أمنها الإقليمي.

ولم تكشف الأزمة فقط حجم المخاطر التي تواجهها دول الخليج عندما تتحول المنطقة إلى ساحة مواجهة بين القوى الكبرى، بل أظهرت أيضًا حدود المقاربات الأمنية التقليدية التي اعتمدت لعقود على مزيج من التحالفات الخارجية وسياسات الاحتواء والردع.

وفي هذا السياق، تبرز مقاربة جديدة لفهم مستقبل الأمن الخليجي تقوم على ثلاثة أنماط من العلاقات مع إيران: شراكات الضرورة، وشراكات الظرف، وشراكات الاختيار.

وعلى مدى عقود، كانت العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي وإيران محكومة بما يمكن تسميته "شراكات الضرورة". فالجغرافيا فرضت على الطرفين التعايش ضمن مساحة استراتيجية واحدة، تتشارك الحدود البحرية وممرات الطاقة والتجارة العالمية.

ورغم التوترات السياسية والصراعات غير المباشرة التي طبعت العلاقة خلال فترات طويلة، لم يكن ممكنًا لأي طرف تجاهل الآخر أو التعامل معه باعتباره خصمًا بعيدًا عن الحسابات اليومية للأمن والاستقرار.

وقد أثبتت الحرب الأخيرة مجددًا أن أمن الخليج وإيران مترابط بصورة يصعب فصلها. فالتوتر في مضيق هرمز، أو استهداف منشآت الطاقة، أو التصعيد العسكري بين طهران وواشنطن، ينعكس فورًا على اقتصادات المنطقة وأسواقها ومشروعاتها التنموية.

ولذلك فإن الحوار مع إيران، بالنسبة إلى دول الخليج، لم يعد مجرد خيار دبلوماسي، بل أصبح ضرورة تمليها الجغرافيا والمصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة.

لكن الضرورة وحدها لم تكن كافية لضمان الاستقرار. فخلال العقود الماضية بنت دول الخليج أيضاً ما يمكن وصفه بـ"شراكات الظرف"، وفي مقدمتها علاقاتها الأمنية مع الولايات المتحدة والقوى الغربية. فقد شكل الوجود العسكري الأميركي في الخليج ركيزة أساسية لمنظومة الردع الإقليمي، وساهم في توفير مظلة أمنية لدول المنطقة في مواجهة التهديدات المختلفة.

غير أن الحرب الأخيرة كشفت جانبًا آخر من هذه الشراكات. فبينما وفرت الحماية والردع، جعلت دول الخليج أيضًا جزءًا من معادلات الصراع الإقليمي. فاستضافة القواعد العسكرية الأجنبية، والارتباط الوثيق بالاستراتيجيات الأميركية، يعنيان أن أي مواجهة بين واشنطن وطهران قد تنعكس مباشرة على أمن دول المنطقة، حتى لو لم تكن هذه الدول طرفًا مباشرًا في النزاع.

ومن هنا برزت مفارقة أساسية؛ فالشراكات الخارجية تظل ضرورية لأمن الخليج، لكنها لا تعفيه من الحاجة إلى إدارة علاقاته مع إيران بصورة مستقلة ومباشرة. كما أن الاعتماد الكامل على الضمانات الخارجية أصبح أكثر صعوبة في ظل التحولات التي يشهدها النظام الدولي وتغير أولويات القوى الكبرى.

وقد عزز هذا الإدراك من أهمية مسارات التهدئة التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، وعلى رأسها التقارب السعودي الإيراني الذي أُعلن عنه عام 2023 بوساطة صينية ودعم إقليمي.

وأظهر هذا التقارب أن الحوار المباشر بين القوى الإقليمية يمكن أن يخفف من احتمالات التصعيد، وأن قنوات الاتصال السياسية تظل أداة فعالة لإدارة الخلافات حتى في ظل استمرار التنافس الاستراتيجي.

إلا أن الحرب الأخيرة أظهرت أيضًا حدود هذا النهج. فالعلاقات الثنائية الجيدة لا تمنع بالضرورة انتقال تداعيات الأزمات الكبرى إلى دول المنطقة. فالتشابك الجغرافي والاقتصادي والأمني يجعل دول الخليج عرضة للتأثر بأي مواجهة واسعة، حتى في أوقات الانفراج السياسي مع طهران.

الشراكات الخارجية تظل ضرورية لأمن الخليج، لكنها لا تعفيه من الحاجة إلى إدارة علاقاته مع إيران بصورة مستقلة ومباشرة.

ويقصد به بناء علاقات قائمة على المصالح المشتركة والتعاون الطوعي، وليس فقط على الضرورات الأمنية أو الظروف الجيوسياسية المفروضة. فهذه الشراكات لا تتطلب اتفاقًا كاملًا بين إيران ودول الخليج حول جميع القضايا الخلافية، لكنها تركز على المجالات التي يمكن أن تحقق منفعة متبادلة وتقلل من احتمالات الصدام.

وتتمتع المنطقة بفرص واسعة لتطوير مثل هذا النوع من التعاون. فالتكامل الاقتصادي بين إيران ودول الخليج لا يزال كبيرًا، سواء في مجالات التجارة أو النقل البحري أو الطاقة أو السياحة الدينية والاستثمارات. كما أن حماية الممرات البحرية وضمان أمن إمدادات الطاقة يمثلان مصلحة مشتركة لجميع الأطراف، بغض النظر عن الخلافات السياسية القائمة.

وكذلك فإن التغيرات التي يشهدها النظام الدولي تدفع الطرفين نحو البحث عن قدر أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية. فدول الخليج تسعى إلى تنويع شراكاتها الدولية وعدم الارتهان لقوة واحدة، بينما تواجه إيران بدورها حالة من عدم اليقين بشأن مستقبل علاقاتها مع القوى الكبرى.

ويفتح هذا الواقع المجال أمام ترتيبات إقليمية أكثر مرونة تقوم على إدارة المصالح المشتركة بدلًا من منطق المواجهة الدائمة.

ولا يتطلب الانتقال إلى شراكات الاختيار إطلاق مشروعات سياسية كبرى منذ البداية، بل يمكن أن يبدأ بخطوات عملية محدودة مثل إنشاء آليات للاتصال أثناء الأزمات، وتطوير ترتيبات لمنع الاحتكاك البحري، وتعزيز التعاون البيئي، وإطلاق حوارات فنية حول أمن الطاقة وسلامة الملاحة. فمثل هذه المبادرات قادرة على بناء الثقة تدريجيًّا وخلق مصالح مشتركة تقلل من احتمالات التصعيد مستقبلًا.

ومع ذلك، فإن الطريق نحو هذا النموذج ليس سهلاً. فالحرب الأخيرة عززت نفوذ المؤسسات الأمنية والعسكرية داخل إيران، ما قد يؤدي إلى تبني سياسات أكثر تشددًا في بعض الملفات. كما أن استمرار بؤر التوتر الإقليمي وتضارب المصالح بين الأطراف المختلفة سيبقي عوامل عدم الاستقرار قائمة لفترة طويلة.

لكن الدرس الأهم الذي أفرزته الحرب يتمثل في أن أمن الخليج لم يعد ممكنًا اختزاله في معادلة الردع العسكري وحدها، كما أنه لا يمكن أن يعتمد بالكامل على القوى الخارجية أو على التفاهمات الثنائية المؤقتة. فالمطلوب اليوم هو بناء منظومة أكثر توازنًا تجمع بين ضرورات الجغرافيا، ومتطلبات الشراكات الدولية، وفرص التعاون الإقليمي الطوعي.

وفي هذا السياق، تبدو "شراكات الضرورة والظرف والاختيار" بمثابة خريطة جديدة لأمن الخليج في مرحلة ما بعد الحرب. فهي تعكس واقعًا إقليميًّا معقدًا لا يسمح بالقطيعة الكاملة ولا بالتوافق الشامل، لكنه يفتح المجال أمام بناء ترتيبات أكثر استقرارًا وقدرة على مواجهة الأزمات.

وسيعتمد مستقبل المنطقة إلى حد كبير على قدرة دول الخليج وإيران على تحويل التعايش المفروض بحكم الجغرافيا إلى تعاون منظم يخدم المصالح المشتركة ويعزز الاستقرار طويل الأمد في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية وأهمية.