> فخر العزب:
يواجه الآلاف من الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة في اليمن أوضاعاً غاية في الصعوبة لإتمام المسار التعليمي، ثم مشكلات إضافية في الحصول على فرصة عمل.
شعرت اليمنية فوزية (31 سنة) بالفخر حين حصلت في عام 2012 على الشهادة الجامعية متجاوزة تحديات الإعاقة، لكنها فوجئت بأن نجاحها غير مقدر، إذ عجزت عن الحصول على وظيفة حكومية وفق "كوتا" الوظائف التي خصصها القانون لذوي الاحتياجات الخاصة، تعينها على إعالة نفسها كي لا تكون عبئاً على الآخرين.
اصطدمت فوزية بردود الجهات الحكومية المتكررة التي تفيد بأنه لا تتوفر درجات وظيفية، وتقول لـ"العربي الجديد": "عشت معاناة كبيرة لإتمام دراستي والحصول على شهادة البكالوريوس من كلية التربية بجامعة صنعاء، على أمل أن أحظى بوظيفة ضمن الحصة القانونية المقررة لذوي الاحتياجات الخاصة، لكني صُدمت بواقع مغاير تماماً، فحقوقنا القانونية لا تعدو كونها شعارات تتردد على ألسنة المسؤولين، والتوظيف الحكومي متوقف نتيجة العجز المالي، إلى جانب الأزمة المزمنة في توفير الرواتب".
وكشف صندوق رعاية وتأهيل ذوي الإعاقة في صنعاء أخيراً، أن نسبة الأشخاص ذوي الإعاقة في اليمن تبلغ نحو 15% من إجمالي السكان، موضحاً أن هذا يعني وجود ما يقارب أربعة ملايين ونصف المليون شخص يعانون إعاقات مختلفة، وهو رقم يضع البلاد أمام مسؤولية إنسانية تستدعي تحركاً عاجلاً لتوفير برامج الإدماج والتأهيل والتمكين، كون هذه الفئة بلا حقوق مكفولة على أرض الواقع، بينما نصوص القانون رقم (61) لسنة 1999 الخاص برعايتهم وتأهيلهم وتخصيص نسبة لا تقل عن 5% من إجمالي القوى العاملة لهم لا تنفذ.
وأصدرت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، في مارس الماضي، تعميماً يقضي بتفعيل توظيف الأشخاص ذوي الإعاقة في مؤسسات القطاعين العام والخاص لمن يحملون شهادات تأهيل مناسبة، في خطوة تهدف إلى إدماجهم في سوق العمل وضمان حقوقهم الوظيفية، مع ضمان تمتعهم بكل الحقوق والمزايا المقررة في قانون العمل، بما يشمل الأجور والترقيات والتدريب.
وألزم التعميم أصحاب الأعمال في القطاع الخاص بتشغيل ذوي الإعاقة، سواء عبر ترشيح الوزارة، أو بالتنسيق مع الاتحاد الوطني لجمعيات ذوي الإعاقة، وأكدت الوزارة أن المعوق يُعد لائقاً شريطة أن تتناسب طبيعة الوظيفة مع نوع إعاقته ودرجتها، على أن يُعفى من شرط اجتياز الفحص الصحي التنافسي المطبق على بقية المتقدمين، في استثناء من القواعد المنظمة للياقة الصحية للتوظيف.
وشدّد التعميم على حظر أي تمييز ضد العاملين من ذوي الإعاقة، أو حرمانهم من المزايا والحقوق المقررة لزملائهم، وطالبت الوزارة جهات العمل بإبلاغها بأسماء الموظفين من ذوي الإعاقة خلال شهر من تاريخ التعيين، مع فتح سجلات خاصة بهم تخضع لرقابة مفتشي العمل، كما كُلفت إدارات التفتيش بتنفيذ حملات دورية بالتنسيق مع الاتحاد العام لذوي الإعاقة، للتأكد من الالتزام بنسبة التوظيف واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.
وتظل كل هذه القوانين والتعميمات الإدارية غائبة على أرض الواقع نتيجة غياب الدور الرقابي الفاعل، كما تمثل التبريرات الرسمية حاجزاً أمام تطبيق القانون.
يقول مدير مكتب الخدمة المدنية والتأمينات في محافظة تعز، فضل الشيباني، لـ"العربي الجديد" إنه "لا توجد حالياً وظائف حكومية جديدة، وفي حال أُتيحت فرص مستقبلاً، فإن نسبة 5% المخصصة للأشخاص ذوي الإعاقة ستكون مكفولة قانوناً، لا يوجد حالياً أي نظام لبدلات الإحلال أيضاً، وهناك تعاميم صارمة من وزارة الخدمة المدنية تقضي بوقف كافة أشكال التعاقد الجديدة، وأي تعاقدات تتم داخل المؤسسات الحكومية تُعد مخالفة قانونية".
وفي الشأن ذاته، تواصلنا مع المدير التنفيذي لصندوق رعاية وتأهيل ذوي الإعاقة في الحكومة المعترف بها دولياً، نجوى فضل، لاستطلاع رأيها، والوقوف على خطط الصندوق لتجاوز هذه المعوقات، لكنها اعتذرت عن الإدلاء بأية تصريحات.
وتتجاوز معوقات توظيف ذوي الإعاقة في اليمن الأزمات السياسية والإدارية والاقتصادية التي تعصف بالبلاد إلى الصورة النمطية الراسخة، إذ غالباً ما يجري حصرهم في إطار العاجزين عن الإنتاج أو الإبداع، واختزال حقهم في العمل في إطار الرعاية القائمة على الشفقة، ما يجعل أصحاب الوظائف ينظرون إليهم على أنهم أعباء، ويعزز القناعة المغلوطة لدى أرباب العمل بأن توظيفهم نوع من الإنسانية، وليس استثماراً في رأس مالٍ بشري كفء قادر على العطاء.
يروي الشاب بليغ العمري تجربته لـ"العربي الجديد" قائلاً: "أحمل دبلوم حاسوب، وكنت أطمح لإثبات أن إعاقتي ليست حاجزاً أمام الإنتاج والإبداع في العمل، وبالفعل حصلت على فرصة عمل في شركة خاصة بمدينة عدن، وشعرت حينها أن الحياة بدأت تبتسم لي، وأنني سأعيش حياة طبيعية، لكن فرحتي لم تدم طويلاً، فبعد ثلاثة أشهر فقط، استغنى صاحب العمل عني من دون أية أسباب".
وكانت الحرب المتواصلة في اليمن منذ عام 2015 زلزالاً اقتصادياً أجهز على الكثير من فرص العمل، وتحول ذوو الإعاقة إلى الحلقة الأضعف في سلسلة التهميش، فمع انهيار موازنات الدولة وتوقف دفع مرتبات موظفي القطاع العام، تلاشت فرص التوظيف الحكومي، ما ألقى بظلال قاتمة على ذوي الإعاقة الذين كانوا يعولون على "كوتا" الوظائف بوابةً للتمكين الاقتصادي.
وفي موازاة توقف التوظيف، أدت الحرب إلى ارتفاع كبير في أعداد ذوي الإعاقة، مما خلق تضخماً في أعداد الباحثين عن فرص عمل من بينهم في مقابل التقلص الحاد في الفرص المتاحة، ما أنتج حالة من المنافسة غير المتكافئة، إذ بات المعوق الذي يفتقر أصلاً إلى الدعم والتأهيل، يعاني داخل سباق محموم على فتات الوظائف مع منافسين لا يعانون تحديات جسدية أو حركية، ما حول الحق القانوني في العمل إلى حلم بعيد المنال.
ووقع اليمن على الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وبروتوكولها الخاص في عام 2008، وهي اتفاقية تضمن مشاركتهم الكاملة والفعّالة في جميع جوانب الحياة، بما فيها الجوانب السياسية، وعلى ضوء هذه الالتزامات الدولية، صُممت القوانين المحلية والاستراتيجيات الوطنية التي كفلت حقوق هذه الشريحة الكبيرة، لكن رغم ذلك، لا يزال واقعهم يتسم بالتهميش والإقصاء، رغم كونهم إحدى الفئات الأكثر تأثراً بالصراع، ورغم امتلاك بعضهم القدرة على المساهمة في إيجاد حلولٍ شاملةٍ ومستدامة، خاصة في مجالات بناء السلام واتخاذ القرار.
ويرى ذوو الاحتياجات الخاصة أن الحل الحقيقي لأزماتهم يتطلب نقلهم من خانة المستفيدين من المساعدات والدعم إلى خانة صناع القرار، مع اعتبارهم شركاء أساسيين في وضع استراتيجيات المستقبل، بدلاً من تهميشهم تحت ركام الأولويات السياسية والاقتصادية.
عن "العربي الجديد"
شعرت اليمنية فوزية (31 سنة) بالفخر حين حصلت في عام 2012 على الشهادة الجامعية متجاوزة تحديات الإعاقة، لكنها فوجئت بأن نجاحها غير مقدر، إذ عجزت عن الحصول على وظيفة حكومية وفق "كوتا" الوظائف التي خصصها القانون لذوي الاحتياجات الخاصة، تعينها على إعالة نفسها كي لا تكون عبئاً على الآخرين.
اصطدمت فوزية بردود الجهات الحكومية المتكررة التي تفيد بأنه لا تتوفر درجات وظيفية، وتقول لـ"العربي الجديد": "عشت معاناة كبيرة لإتمام دراستي والحصول على شهادة البكالوريوس من كلية التربية بجامعة صنعاء، على أمل أن أحظى بوظيفة ضمن الحصة القانونية المقررة لذوي الاحتياجات الخاصة، لكني صُدمت بواقع مغاير تماماً، فحقوقنا القانونية لا تعدو كونها شعارات تتردد على ألسنة المسؤولين، والتوظيف الحكومي متوقف نتيجة العجز المالي، إلى جانب الأزمة المزمنة في توفير الرواتب".
وكشف صندوق رعاية وتأهيل ذوي الإعاقة في صنعاء أخيراً، أن نسبة الأشخاص ذوي الإعاقة في اليمن تبلغ نحو 15% من إجمالي السكان، موضحاً أن هذا يعني وجود ما يقارب أربعة ملايين ونصف المليون شخص يعانون إعاقات مختلفة، وهو رقم يضع البلاد أمام مسؤولية إنسانية تستدعي تحركاً عاجلاً لتوفير برامج الإدماج والتأهيل والتمكين، كون هذه الفئة بلا حقوق مكفولة على أرض الواقع، بينما نصوص القانون رقم (61) لسنة 1999 الخاص برعايتهم وتأهيلهم وتخصيص نسبة لا تقل عن 5% من إجمالي القوى العاملة لهم لا تنفذ.
وأصدرت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، في مارس الماضي، تعميماً يقضي بتفعيل توظيف الأشخاص ذوي الإعاقة في مؤسسات القطاعين العام والخاص لمن يحملون شهادات تأهيل مناسبة، في خطوة تهدف إلى إدماجهم في سوق العمل وضمان حقوقهم الوظيفية، مع ضمان تمتعهم بكل الحقوق والمزايا المقررة في قانون العمل، بما يشمل الأجور والترقيات والتدريب.
وألزم التعميم أصحاب الأعمال في القطاع الخاص بتشغيل ذوي الإعاقة، سواء عبر ترشيح الوزارة، أو بالتنسيق مع الاتحاد الوطني لجمعيات ذوي الإعاقة، وأكدت الوزارة أن المعوق يُعد لائقاً شريطة أن تتناسب طبيعة الوظيفة مع نوع إعاقته ودرجتها، على أن يُعفى من شرط اجتياز الفحص الصحي التنافسي المطبق على بقية المتقدمين، في استثناء من القواعد المنظمة للياقة الصحية للتوظيف.
وشدّد التعميم على حظر أي تمييز ضد العاملين من ذوي الإعاقة، أو حرمانهم من المزايا والحقوق المقررة لزملائهم، وطالبت الوزارة جهات العمل بإبلاغها بأسماء الموظفين من ذوي الإعاقة خلال شهر من تاريخ التعيين، مع فتح سجلات خاصة بهم تخضع لرقابة مفتشي العمل، كما كُلفت إدارات التفتيش بتنفيذ حملات دورية بالتنسيق مع الاتحاد العام لذوي الإعاقة، للتأكد من الالتزام بنسبة التوظيف واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.
وتظل كل هذه القوانين والتعميمات الإدارية غائبة على أرض الواقع نتيجة غياب الدور الرقابي الفاعل، كما تمثل التبريرات الرسمية حاجزاً أمام تطبيق القانون.
يقول مدير مكتب الخدمة المدنية والتأمينات في محافظة تعز، فضل الشيباني، لـ"العربي الجديد" إنه "لا توجد حالياً وظائف حكومية جديدة، وفي حال أُتيحت فرص مستقبلاً، فإن نسبة 5% المخصصة للأشخاص ذوي الإعاقة ستكون مكفولة قانوناً، لا يوجد حالياً أي نظام لبدلات الإحلال أيضاً، وهناك تعاميم صارمة من وزارة الخدمة المدنية تقضي بوقف كافة أشكال التعاقد الجديدة، وأي تعاقدات تتم داخل المؤسسات الحكومية تُعد مخالفة قانونية".
وفي الشأن ذاته، تواصلنا مع المدير التنفيذي لصندوق رعاية وتأهيل ذوي الإعاقة في الحكومة المعترف بها دولياً، نجوى فضل، لاستطلاع رأيها، والوقوف على خطط الصندوق لتجاوز هذه المعوقات، لكنها اعتذرت عن الإدلاء بأية تصريحات.
وتتجاوز معوقات توظيف ذوي الإعاقة في اليمن الأزمات السياسية والإدارية والاقتصادية التي تعصف بالبلاد إلى الصورة النمطية الراسخة، إذ غالباً ما يجري حصرهم في إطار العاجزين عن الإنتاج أو الإبداع، واختزال حقهم في العمل في إطار الرعاية القائمة على الشفقة، ما يجعل أصحاب الوظائف ينظرون إليهم على أنهم أعباء، ويعزز القناعة المغلوطة لدى أرباب العمل بأن توظيفهم نوع من الإنسانية، وليس استثماراً في رأس مالٍ بشري كفء قادر على العطاء.
يروي الشاب بليغ العمري تجربته لـ"العربي الجديد" قائلاً: "أحمل دبلوم حاسوب، وكنت أطمح لإثبات أن إعاقتي ليست حاجزاً أمام الإنتاج والإبداع في العمل، وبالفعل حصلت على فرصة عمل في شركة خاصة بمدينة عدن، وشعرت حينها أن الحياة بدأت تبتسم لي، وأنني سأعيش حياة طبيعية، لكن فرحتي لم تدم طويلاً، فبعد ثلاثة أشهر فقط، استغنى صاحب العمل عني من دون أية أسباب".
وكانت الحرب المتواصلة في اليمن منذ عام 2015 زلزالاً اقتصادياً أجهز على الكثير من فرص العمل، وتحول ذوو الإعاقة إلى الحلقة الأضعف في سلسلة التهميش، فمع انهيار موازنات الدولة وتوقف دفع مرتبات موظفي القطاع العام، تلاشت فرص التوظيف الحكومي، ما ألقى بظلال قاتمة على ذوي الإعاقة الذين كانوا يعولون على "كوتا" الوظائف بوابةً للتمكين الاقتصادي.
وفي موازاة توقف التوظيف، أدت الحرب إلى ارتفاع كبير في أعداد ذوي الإعاقة، مما خلق تضخماً في أعداد الباحثين عن فرص عمل من بينهم في مقابل التقلص الحاد في الفرص المتاحة، ما أنتج حالة من المنافسة غير المتكافئة، إذ بات المعوق الذي يفتقر أصلاً إلى الدعم والتأهيل، يعاني داخل سباق محموم على فتات الوظائف مع منافسين لا يعانون تحديات جسدية أو حركية، ما حول الحق القانوني في العمل إلى حلم بعيد المنال.
ووقع اليمن على الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وبروتوكولها الخاص في عام 2008، وهي اتفاقية تضمن مشاركتهم الكاملة والفعّالة في جميع جوانب الحياة، بما فيها الجوانب السياسية، وعلى ضوء هذه الالتزامات الدولية، صُممت القوانين المحلية والاستراتيجيات الوطنية التي كفلت حقوق هذه الشريحة الكبيرة، لكن رغم ذلك، لا يزال واقعهم يتسم بالتهميش والإقصاء، رغم كونهم إحدى الفئات الأكثر تأثراً بالصراع، ورغم امتلاك بعضهم القدرة على المساهمة في إيجاد حلولٍ شاملةٍ ومستدامة، خاصة في مجالات بناء السلام واتخاذ القرار.
ويرى ذوو الاحتياجات الخاصة أن الحل الحقيقي لأزماتهم يتطلب نقلهم من خانة المستفيدين من المساعدات والدعم إلى خانة صناع القرار، مع اعتبارهم شركاء أساسيين في وضع استراتيجيات المستقبل، بدلاً من تهميشهم تحت ركام الأولويات السياسية والاقتصادية.
عن "العربي الجديد"

















