> عبدالكريم سليمان العرجان:

​إن الحالة اليمنية الراهنة لم تعد مجرد نزاع محلي على السلطة، بل تحولت إلى "مختبر حركي" للتوازنات الإقليمية. إن انهيار التهدئة الهشة، الذي تبلور في الأسبوع الأول من يوليو 2026، لا يمكن فهمه بمعزل عن التحولات في هيكلية الأمن الإقليمي؛ إن وصفنا لهذا المشهد بـ"معادلة الصفر" ينبع من طبيعة الصراع التي تجاوزت سقف التسويات التقليدية؛ حيث بات أي مكسب سياسي لطرف ما -خاصة في سياق "شرعنة" الحضور الإيراني- يُترجم تلقائياً إلى خسارة وجودية لمشروع استعادة الدولة، مما يجعل من أي تفاهمات جزئية مجرد إطالة لأمد الأزمة بدلاً من حلها، ويحصر خيارات الفاعلين في نطاق ضيق من الخسائر المتبادلة. فاليمن اليوم يعمل كـ "صمام ضغط" في أزمة أكبر تمتد من طهران إلى البحر الأحمر.

تأتي هذه القراءة امتداداً لمسار تحليلي سابق حول تحولات الجغرافيا الاستراتيجية في المنطقة؛ إذ أشرت في ورقة نشرتها صحيفة العرب اللندنية في أبريل 2025 بعنوان "البحر الأحمر وباب المندب… مفاتيح الصراع مع القوى العظمى" إلى أن هذا الممر البحري لم يعد مجرد طريق تجاري، بل أصبح ساحة تنافس على النفوذ الدولي. 

ثم تناولت في مقال لاحق بعنوان "لماذا يخطئ الجميع في قراءة بوصلة اليمن الجديدة" في ديسمبر 2025 انتقال مركز الثقل داخل اليمن نحو الجغرافيا الشرقية بما تحمله من موارد ومنافذ استراتيجية. واليوم، تتضح الصورة الأوسع: اليمن لم يعد ساحة داخلية فحسب، بل أصبح عقدة رئيسية في معادلة البحر الأحمر والأمن الإقليمي.

إن وصول الرحلة الإيرانية المباشرة إلى مطار صنعاء ليس مجرد واقعة لوجستية، بل هو "اختبار جس نبض" استراتيجي. بالنسبة للحوثيين، هذا التحدي يخدم غايتين: داخلياً، إعادة إحياء "حالة الطوارئ" وشرعنة النفير العام للسيطرة على الحواضن القبلية التي بدأت تظهر تململاً من الأوضاع المعيشية. 

وإقليمياً، الإعلان عن "كسر الحصار" ليس إلا رسالة لخصوم إيران بأن ميزان القوى في البحر الأحمر قد تغير، وأن الممرات المائية باتت أداة ضغط سياسي لا يمكن تحييدها.

يظل مضيق باب المندب “الخاصرة الرخوة” للاقتصاد العالمي. إن أي عودة للمواجهة العسكرية المفتوحة في اليمن تعني تلقائياً تحويل هذا الممر إلى ساحة “استنزاف تقني”. لم تعد التهديدات حكراً على السفن التجارية، بل أصبحت أداة لتعديل شروط الاشتباك. 

إن بقاء الصراع في "منطقة رمادية" يخدم استراتيجية "الإنكار المعقول" للقوى الفاعلة، حيث يُستخدم الحوثيون كوكيل استراتيجي قادر على تعطيل سلاسل الإمداد العالمية دون استدعاء تدخل دولي مباشر ومكثف.

داخلياً، نحن أمام "مجتمع منقسم على أنقاض دولة". إن استراتيجية مجلس القيادة الرئاسي القائمة على “الشرعية الدستورية” تواجه تحدي "الواقعية العسكرية" التي يفرضها الحوثي على الأرض.

وفي مقابل هذا السعي لفرض سلطة الأمر الواقع، تبرز القبيلة كـ"صمام أمان" أو "مثير قلق" دائم؛ فبينما يحاول الحوثي توظيف النفير العام لتغيير الولاءات قسراً، بدأت هذه الحواضن في تطوير أدوات "مقاومة ناعمة" ورفض للسياسات المعيشية، مما يجعل المركزية الحوثية تعيش حالة من التوتر الوجودي؛ فهي لا تواجه معارضة عسكرية فحسب، بل تعاني من تآكل في "الشرعية الاجتماعية" التي كانت تستند إليها تاريخياً. تنامي النشاط العسكري، واستمرار التعبئة الإعلامية، وتراجع زخم المسار التفاوضي، كلها عوامل تزيد من احتمالات الانزلاق نحو مواجهة جديدة.

يجب إدراك أن الصراع في اليمن بات “متغيراً تابعاً” في معادلة الشرق الأوسط. التوتر الإيراني-الإسرائيلي، والتنافس الإيراني-الخليجي، وما يرافق ذلك من استخدام الساحات الإقليمية كورقة ضغط متبادلة، يجعل من اليمن ورقة مساومة. 

في المقابل، تتشابك مصالح الحوثي مع أطراف إقليمية ودولية؛ فطهران تجد في اليمن ذراعاً لابتزاز المحيط، بينما تغذي إسرائيل حالة عدم الاستقرار هذه لضمان استنزاف دول الإقليم في نزاعات جانبية تُبعد عنها الضغوط. 

إن هذه "المصالح المشتركة" لا تنتج سوى كيانات هجينة تعتاش على الفوضى، وتُحول السيادة الوطنية إلى ورقة مساومة في صراع لا يخدم في جوهره سوى أجندات الهيمنة المتقاطعة.

إن اليمن اليوم ليس أمام خيارين (حرب أو سلم)، بل أمام خيار “إعادة الصياغة القسرية”. فإما أن يؤدي التصعيد الراهن إلى تحويل اليمن إلى “منطقة نفوذ هجين” ومستقر، أو إلى انفجار جيوسياسي يعيد رسم خارطة النفوذ في شبه الجزيرة العربية، ويجعل من باب المندب البوابة التي يتقرر من خلالها ثمن الاستقرار في الشرق الأوسط لعقود قادمة.
كاتب إردني - عن "العرب اللندنية"