> تقرير/ ماهر الشعبي:

في الساعات الأولى من فجر الاثنين 5 أكتوبر، دخلت الحرب اليمنية مرحلة جديدة ومختلفة، بعد أسابيع من اندفاع جماعة الحوثيين نحو الساحل الغربي ومضيق باب المندب، مع إعلان الحكومة الشرعية وتحالف دعم الشرعية بدء عملية عسكرية واسعة النطاق تحت اسم «فجر اليمن»، تهدف إلى استعادة مؤسسات الدولة والأراضي الخاضعة لسيطرة الحوثيين المدعومين من إيران.

​من كهبوب إلى ذوباب وباب المندب..فتح بوابة استعادة الدولة
​من كهبوب إلى ذوباب وباب المندب..فتح بوابة استعادة الدولة
وخلال ساعات معدودة، تحولت جبهات كهبوب وذوباب وباب المندب من خط دفاع جنوبي إلى محور هجوم باتجاه الساحل الغربي، في تحول عسكري أعاد رسم اتجاه المعركة وفتح جبهة واسعة تمتد من تخوم الصبيحة إلى الساحل ومضيق باب المندب.

وبحلول مساء الاثنين 5 أكتوبر، تجاوزت المعركة حدود ذوباب ومشارف باب المندب، بعدما أعلنت القوات الحكومية، وفي مقدمتها قوات العمالقة الجنوبية ودرع الوطن، مسنودة بمقاتلين من قبائل الصبيحة والمقاومة الشعبية الجنوبية والمقاومة التهامية، تحقيق تقدم وصل إلى مشارف المخا، عقب تطويق مديرية ذوباب من عدة محاور ودحر الحوثيين منها، واستعادة باب المندب وجزيرة بريم.

وفي صباح الثلاثاء، تحركت وحدات من قوات العمالقة الجنوبية ودرع الوطن باتجاه مديرية الوازعية بهدف تأمين مؤخرة القوات المتقدمة على الساحل الغربي، بالتزامن مع استمرار عمليات التمشيط والملاحقة وتأمين المواقع والمنشآت والطرق الرئيسية التي استعادتها القوات.

وتكتسب هذه التطورات أهميتها من أن ما يجري يتجاوز استعادة مدينة أو مديرية، ويتصل بمحاولة إعادة تشكيل موازين القوة على واحد من أكثر مسارح الحرب حساسية في اليمن والمنطقة؛ الساحل الغربي وباب المندب.


جغرافيا الصبيحة التي صنعت أهمية المعركة
لفهم سبب انطلاق «فجر اليمن» من هذه المنطقة تحديدًا، لا بد من العودة إلى خريطة الصبيحة وسلسلة جبال كهبوب.

تقع الصبيحة جنوبي غرب اليمن، وتمتد جغرافيتها القتالية من تخوم كرش وطور الباحة وحيفان، مرورًا بالمضاربة ورأس العارة والأغبرة والعلقمة والمحاولة والبوكرة والمنصورة وجبال نمّان والوازعية، وصولًا إلى كهبوب وباب المندب.

وتقف هذه الجغرافيا عند واحدة من أهم البوابات البرية والبحرية المؤدية إلى العاصمة عدن ومحافظة لحج من جهة، وإلى الساحل الغربي ومضيق باب المندب والمخا من جهة أخرى.

أما كهبوب، التابعة إداريًا لمديرية المضاربة ورأس العارة بمحافظة لحج، فتكتسب أهميتها من طبيعة تضاريسها الجبلية وإشرافها المباشر على الممرات المؤدية إلى مضيق باب المندب والساحل الغربي، ما يجعلها إحدى أهم العقد الجغرافية في مسرح العمليات.

وتمنح السيطرة على مرتفعات كهبوب أفضلية عسكرية في الرصد والمراقبة وحماية خطوط النقل والحركة والإمداد، كما توفر نقطة ارتكاز لأي عمليات تتجه غربًا نحو الساحل أو جنوبًا باتجاه لحج وعدن.

وفي الطرف الآخر من المعادلة يقع باب المندب، الذي يصل البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويعد أحد أهم الممرات البحرية الدولية.

وتزداد أهمية المنطقة بوجود جزيرة ميون «بريم» عند مدخل المضيق، وبقربها من الساحل اليمني وخطوط الملاحة المتجهة إلى البحر الأحمر وقناة السويس.

ويمنح موقع جزيرة ميون اليمن أفضلية استراتيجية في الإشراف على الممر البحري، كما دفع الموقع الحساس للمضيق عددًا من القوى الدولية إلى إنشاء قواعد عسكرية في الدول الأفريقية المقابلة.

ومن هذا المنظور، فإن استعادة باب المندب تقوض إحدى أوراق الضغط التي وظفتها إيران عبر حلفائها في اليمن لتهديد الملاحة الإقليمية والدولية.

من الدفاع عن كهبوب إلى الهجوم في باب المندب
طوال الأسابيع التي سبقت إطلاق «فجر اليمن»، اتخذت معركة الصبيحة طابعًا مختلفًا عن كثير من جبهات الحرب.

تركزت المهمة الرئيسية للقوات المدافعة على إبقاء المرتفعات والممرات الحيوية خارج سيطرة الحوثيين، ومنع تحويلها إلى منصات انطلاق باتجاه رأس العارة ولحج والعاصمة المؤقتة عدن.

وأفادت تقارير محلية نُشرت خلال سبتمبر الماضي بأن المواجهات تركزت في جبهات كهبوب والأغبرة والمنصورة والعلقمة والمحاولة والبوكرة وجبال نمّان والوازعية، وشهدت تلك المناطق عشرات الهجمات التي حاول الحوثيون خلالها إحداث اختراق في خطوط الدفاع.
وخلال إحدى جولات القتال، أعلنت قوات العمالقة الجنوبية أسر قيادي حوثي كبير ومرافق له في جبهات كهبوب، فيما قُتل عدد من القيادات الميدانية التابعة للجماعة في الجبهات ذاتها.

وفي هذا السياق برز الدور المحوري لقوات العمالقة الجنوبية ودرع الوطن وقوات المنطقة العسكرية الرابعة، إلى جانب مقاتلي ووجهاء ومشائخ قبائل الصبيحة.

فقد تولت القوات النظامية والتشكيلات العسكرية مهام الدفاع والهجوم والإسناد، فيما أسهمت البنية الاجتماعية والقبلية المحلية في تثبيت الجبهات وتأمين خطوط الحركة والإمداد ورفد مواقع المواجهة بالمقاتلين.

وفي قلب هذه المنظومة برز اللواء حمدي شكري، قائد المنطقة العسكرية الرابعة وقائد الفرقة الثانية عمالقة واللواء السابع مشاة والقائد العام الميداني للجبهة، بوصفه أحد أبرز القادة المرتبطين مباشرة بجبهة الجنوب الغربي والساحل.

ويرتبط حضور شكري في معركة اليوم بسجل سابق في المسرح نفسه. ففي عام 2017 كان قائدًا للواء الثاني عمالقة ضمن العمليات التي شاركت في تحرير الساحل الغربي، فيما كان الفريق عبدالرحمن المحرّمي «أبو زرعة» أحد أبرز القادة المرتبطين بتأسيس وقيادة ألوية العمالقة الجنوبية في جبهة الساحل.

كما قاد المحرمي عملية «الرمح الذهبي» لتحرير الساحل الغربي، التي أطلقها التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية مطلع يناير 2017، بمشاركة اللواء شكري واللواء عبدالرحمن اللحجي وعدد من القيادات التي تعود اليوم إلى واجهة المعركة نفسها.

من «الرمح الذهبي» إلى «فجر اليمن»..عشر سنوات في مسرح واحد
يقف اليوم الفريق المحرمي، وهو عضو مجلس القيادة الرئاسي والقائد العام لقوات العمالقة الجنوبية، في موقع قيادي متقدم ضمن البنية العليا للعملية العسكرية، باعتباره القائد العام لـ«فجر اليمن» وفق الترتيبات الميدانية للعملية.

وفي المقابل، كُلف اللواء حمدي شكري مطلع سبتمبر الماضي من مجلس القيادة الرئاسي والتحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية بمهمة القيادة العامة الميدانية للمعركة في باب المندب والساحل الغربي والمديريات الغربية والجنوبية لمحافظة تعز، إلى جانب جبهات الصبيحة الممتدة من كرش وطور الباحة وحيفان، مرورًا بالمضاربة ورأس العارة والأغبرة والمنصورة وجبال نمان والمحاولة والبوكرة والعلقمة والوازعية والسقيا.

وخلال أكثر من شهر، خاضت القوات الواقعة ضمن نطاق قيادته مواجهات واسعة على هذا المسرح الممتد حتى سلسلة جبال كهبوب وباب المندب، كما دعمت مطلع الشهر الماضي قوات المقاومة الوطنية والمقاومة التهامية في معارك الساحل الغربي.

وقدمت هذه القوات، إلى جانب مقاومة أبناء قبائل الصبيحة، خسائر بشرية كبيرة تجاوزت مئات القتلى وضعفهم من الجرحى، وفق تقديرات ميدانية متداولة في الجبهة.

وتشارك اليوم في «فجر اليمن» وحدات من الفرقة الثانية عمالقة واللواء السابع مشاة والمنطقة العسكرية الرابعة ومحور باب المندب–خرز، إلى جانب قوات من الفرقة الأولى عمالقة واللواءين السادس والسابع عشر، ووحدات من الفرقتين الثالثة والرابعة عمالقة، فضلًا عن قوات درع الوطن، وفي مقدمتها قوات الفرقة الأولى درع الوطن، مسنودة بمقاومة الصبيحة والمقاومة الجنوبية.

وتخوض هذه التشكيلات واحدة من أوسع العمليات العسكرية التي شهدتها البلاد خلال المرحلة الأخيرة، وتستهدف مدن وبلدات الساحل الغربي، ابتداء من ذوباب وباب المندب وجزيرة بريم، مرورًا بمديريات غرب تعز، وصولًا إلى المخا، فيما تمتد الأهداف المعلنة للعملية إلى الحديدة وما بعدها.

ويتولى اللواء عبدالرحمن اللحجي رئاسة أركان قوات درع الوطن والقائم بأعمال قيادتها، وهي القوة التي شاركت في التحضير والقتال ضمن محور باب المندب وذوباب والساحل الغربي، وسبق أن شاركت في المواجهات التي شهدتها جبهات كهبوب والصبيحة خلال سبتمبر الماضي، إلى جانب دورها في إسناد جبهات الساحل الغربي.

دور الصبيحي والتركي والحالمي وشاهر
وعلى المستوى العسكري والسياسي، يبرز كذلك اسم الفريق الركن محمود الصبيحي، عضو مجلس القيادة الرئاسي، كأحد أبرز الشخصيات العسكرية والسياسية المنحدرة من منطقة الصبيحة.

وظل الصبيحي حاضرًا خلال الأسابيع الماضية في مقدمة القيادات المتابعة للعمليات العسكرية ميدانيًا، متنقلًا بين الجبهات وخطوط التماس، ضمن حضوره المرتبط بملفات الدفاع والأمن في الجبهة الجنوبية والغربية.

كما برز الفريق الركن أحمد عبدالله تركي، محافظ لحج السابق، في متابعة الجبهات إلى جانب الفريق الصبيحي واللواء حمدي شكري، فضلًا عن دور محافظ لحج مراد الحالمي في دعم وإسناد قيادة الجبهات منذ المراحل الأولى للمواجهات.

وعلى المستوى القبلي، سجل شيخ مشائخ الصبيحة الشيخ عبدالرحمن جلال شاهر حضورًا واسعًا منذ اندلاع المواجهات على امتداد جبهات الصبيحة، من كرش وطور الباحة إلى المضاربة والأغبرة والمحاولة وكهبوب وباب المندب.

واضطلع شاهر بدور في حشد مشائخ ووجهاء الصبيحة لدعم الجبهات، وأسهمت جهوده إلى جانب الفريق محمود الصبيحي واللواء حمدي شكري والفريق أحمد التركي وعدد من المشائخ والقيادات العسكرية والمدنية في توحيد موقف قبائل الصبيحة خلف القوات المرابطة في الخطوط الأمامية ومواقع التماس.
كما اضطلع عدد كبير من القادة والمشائخ والوجهاء من أبناء الصبيحة والجنوب بأدوار في الحشد والتعبئة والدعم والإسناد منذ أواسط سبتمبر الماضي، ضمن الجهد الاجتماعي والعسكري الذي أحاط بجبهات كهبوب والصبيحة.

لحظة التحول..الالتفاف على ذوباب وفتح الطريق نحو المخا
من أبرز مفارقات معركة «فجر اليمن» أن المرتفعات التي حاول الحوثيون السيطرة عليها خلال الشهر الماضي، وحشدوا قواتهم على تخوم الصبيحة وكهبوب للوصول إليها، تحولت مع انطلاق العملية إلى قاعدة للهجوم المضاد باتجاه باب المندب وذوباب والوازعية وتخوم المخا.

وفرت السيطرة على تلك المرتفعات للقوات الحكومية أفضلية ميدانية مكنتها من الانتقال من الصمود الدفاعي إلى توسيع نطاق العمليات وفتح مسارات هجومية في اتجاه الساحل.

وبإسناد جوي وبحري من التحالف بقيادة المملكة العربية السعودية، تمكنت القوات المشاركة في العملية من استعادة مناطق واسعة على ساحل البحر الأحمر، شملت باب المندب وجزيرة ميون «بريم» وذوباب، إلى جانب عدد من المواقع العسكرية، من بينها مطار ذوباب ومعسكر العمري وسلاسل جبلية استراتيجية.

كما أجبرت الحوثيين على الانسحاب من مناطق واسعة كانوا قد تقدموا إليها خلال اندفاعهم نحو الساحل في أواسط سبتمبر الماضي.

وهكذا تحولت كهبوب من جبهة كان يراد اختراقها إلى قاعدة انطلاق لهجوم أعاد الضغط شمالًا باتجاه الساحل.

لماذا تحضر الصبيحة كلما اقتربت الحرب من الجنوب؟
ترتبط مشاركة الصبيحة في المعارك الحالية بتاريخ أوسع من التعبئة العسكرية الطارئة التي فرضتها الحرب على حدودها. فالمنطقة راكمت حضورًا سياسيًا وعسكريًا ممتدًا في التحولات اليمنية خلال القرن العشرين.

ومن الصبيحة خرج قحطان محمد الشعبي، أول رئيس لجمهورية اليمن الجنوبية الشعبية عقب الاستقلال عن بريطانيا في 30 نوفمبر 1967، كما برز منها عدد من القادة والشخصيات السياسية والعسكرية الذين انخرطوا في الحركة الوطنية لتحرير الجنوب ومقاومة الاستعمار البريطاني.

وشارك أبناء الصبيحة كذلك في مقاومة الحكم الإمامي شمالًا وفي التحولات التي عرفها اليمن بشطريه خلال العقود اللاحقة.

ومن هذه الخلفية يمكن فهم الحساسية التي تعاملت بها قبائل الصبيحة مع وصول الحوثيين إلى عدن ولحج والمحافظات الجنوبية أواخر مارس 2015، حين كانت من بين القوى القبلية التي شاركت في مقاومة الجماعة وفي معارك استعادة عدن ولحج.

ومع تقدم الحوثيين في أواسط سبتمبر الماضي باتجاه المحافظات الجنوبية وعدن من البوابة الغربية، تداعت قبائل الصبيحة إلى جبهات كهبوب والأغبرة والمحاولة والبوكرة والمنصورة والعلقمة وكرش وطور الباحة، في محاولة لوقف التقدم ومنع انتقال المعركة إلى عمق الجنوب.

وهكذا التقت الجغرافيا بالذاكرة التاريخية والاجتماعية؛ موقع فرض على المنطقة أن تكون خط تماس دائمًا، وتجربة طويلة صنعت استعدادًا متجددًا للاستنفار كلما اقتربت الحرب من بوابتها الغربية.

الصبيحة..من حزام أمان إلى بوابة للهجوم
لنحو شهر، مثلت كهبوب والمضاربة ورأس العارة والأغبرة والمحاولة والعلقمة والمنصورة والوازعية بالنسبة إلى قبائل الصبيحة والقوات الجنوبية خطًا دفاعيًا متقدمًا.

ومع انطلاق «فجر اليمن» تغيرت وظيفة هذه الجبهة.

فالجبال التي صمدت أمام محاولات التقدم الحوثية تحولت إلى نقطة انطلاق لعملية عسكرية واسعة، والجبهة التي كان يراد لها أن تكون ممرًا نحو عدن ولحج أصبحت طريقًا معاكسًا باتجاه باب المندب وذوباب والوازعية والمخا.

وهنا تكمن الدلالة الأعمق للعملية.
فحكاية الصبيحة مع هذه الحرب تمتد أبعد من حدود المعركة الحالية. إنها قصة جغرافيا وضعت سكانها في قلب خطوط التماس، وذاكرة اجتماعية راكمت معاني المقاومة،إلى جانب مؤسسة عسكرية وجدت في هذه الأرض رجالًا يعرفون تفاصيلها ومسالكها وقيمتها الاستراتيجية.

واليوم تتحرك القوات الجنوبية من مواقع الدفاع عن حدودها نحو استعادة المدن والموانئ والممرات البحرية وتأمين الطرق الرئيسية، في تحول يجعلها واحدة من أهم قوى الدفع الميداني في العملية الحالية.

بين كهبوب وباب المندب وميون وذوباب والوازعية والمخا، تتضح معادلة جديدة؛ وهي أن الجبهة الغربية للجنوب تحولت من حزام أمان لعدن ولحج إلى بوابة رئيسية لمعركة استعادة الدولة وإعادة السيطرة على الساحل الغربي والممر البحري الذي يتوسط واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.

ومن هنا تكتسب «فجر اليمن» معناها الأوسع: معركة تبدأ من الجغرافيا، وتعيد ترتيب ميزان القوة على الساحل، وتفتح طريقًا يمكن أن يمتد من باب المندب والمخا إلى الحديدة وما بعدها.