> د. ريتا هاشم العيدروس
لا يكمن خطر الفساد في المخالفة وحدها، بل في بيئة تبررها وتعاقب من يكشفها، فتجعل الصمت طريقًا للنجاة.
في بعض المؤسسات، يواجه المبلّغ معادلة قاسية: يكشف الخلل ويتحمل تبعاته الوظيفية والاجتماعية، أو يصمت حفاظًا على موقعه. وهكذا تتحول المسؤولية الوطنية إلى مخاطرة، في ظل غياب الحماية أو ضعف تطبيقها.
قد تبدأ معاناته بالتهميش أو النقل التعسفي أو سحب الصلاحيات، ثم تتصاعد إلى التشكيك في دوافعه وتصويره مصدرًا للمشكلات. وتزداد خطورة ذلك حين تُستخدم الحرب ذريعة لتعطيل المساءلة، وكأن الأزمات تمنح الفساد حصانة.
لكن هل حماية المال العام أقل أهمية في زمن الحرب؟ على العكس، فإن شح الموارد وتزايد الاحتياجات يجعلان الرقابة والمحاسبة أكثر إلحاحًا؛ فكل مورد يُهدر يحرم المجتمع من خدمة يحتاج إليها، ويضاعف أعباء المواطنين. الحرب لا تعطل المسؤولية، بل تجعلها أكثر ضرورة.
وتتفاقم المشكلة حين تتحرك الجهات الرقابية والقانونية فقط بعد اتساع القضية في الرأي العام، بدلًا من الاستجابة المبكرة للبلاغات وفق الأدلة والإجراءات القانونية. وليس من الطبيعي أن يضطر المبلّغ إلى نشر قضيته عبر وسائل التواصل حتى يجد من يستمع إليه؛ فهذا يكشف خللًا مؤسسيًا ويقوض الثقة العامة.
إن مسؤولية الجهات المختصة لا تقتصر على استقبال البلاغات، بل تشمل فحصها بجدية، والتحرك في الوقت المناسب، وضمان سرية المعلومات وحماية المبلّغ من الإجراءات الانتقامية، مع التحقق من الوقائع واحترام حقوق جميع الأطراف.
كما لا يجوز أن يخضع تطبيق القانون للظروف السياسية أو الضغوط الإدارية. فالقانون يفقد أثره حين يُطبّق انتقائيًا، وتتحول الاستثناءات إلى غطاء لتعطيل المساءلة. ولا تُبنى المؤسسات بالقواعد المعلنة وحدها، بل بإجراءات عادلة ومحاسبة تستند إلى الأدلة، لا إلى النفوذ أو الضجيج الإعلامي.
المبلّغ عن الفساد ليس خصمًا للمؤسسة، بل قد يكون أحد أهم أسباب تصحيح مسارها. وحمايته ليست امتيازًا، بل ضرورة لكشف الخلل قبل تفاقمه وتعزيز الثقة بين المجتمع والدولة.









