سؤال للتأمل: أيعقل لـ«الشرعية اليمنية»، التي تحظى بدعم سخي ومفتوح من المملكة العربية السعودية منذ اثني عشر عامًا، أن تعجز عن تحرير شبر واحد في الشمال، لولا أن هذا العجز يُمثّل «عقيدةً» وقرارًا سياسيًا، لا مجرد إخفاق ميداني، لتظل البنادق مُدَّخرة ومُصوَّبة نحو وجهة أخرى في وقت آخر؟!
وبعد، تُقاس الحكمة بالقدرة على تحويل الانتصارات الميدانية إلى مكاسب سياسية لأهلها، لا لخصومها. تنبع أزمة الجنوب من ثالوث حاكم: إملاءات التحالف، وبراغماتية الشمال، وارتجال السياسات الجنوبية المرتهنة للعاطفة على حساب الشراكات المؤسسية الملزمة. ولصون القضية، نركز نقدنا البناء، لا الهدّام، لـ«الانتقالي» على مسارين مفصليين تتضاءل دونهما بقية الهفوات، من وجهة نظرنا، وهما: إدارة العلاقة مع التحالف، وإدارة الشراكة مع الشرعية.
ففي العلاقة مع التحالف، وبرغم أن القوات الجنوبية مثّلت الرافعة الميدانية الأهم، فإن هذا التفوق أُدير بمنطق عاجز عن ترجمته إلى ضمانات سياسية تخدم مشروع استعادة الدولة الجنوبية، مما فتح الباب لإعادة توظيف التضحيات لصالح مشاريع مضادة. وفي المقابل، نرى براغماتية «حزب الإصلاح» الذي عطّل المواجهات وادّخر قواته لمعركته الحقيقية: فرض الوحدة. وتجلى الخلل في الافتراض بأن التغاضي عن رفع العلم الجنوبي في المعارك يُعد دعمًا ضمنيًا للمشروع السياسي، مع إغفال أن العواطف لا تُغني عن الضمانات المؤسسية الملزمة لحفظ الحقوق. ومن هنا، يجب ألّا يدخل الجنوبيون عامهم الثاني عشر بالعقلية القديمة ذاتها.
أما الخطأ الثاني، فيكمن في سوء إدارة الشراكة مع سلطة «الشرعية»، بالاستناد إلى الانتماء الجغرافي والحزبي، وليس إلى الانتماء للمشروع السياسي. وقد مكّن هذا الخلل الأحزاب الشمالية من استغلال حصة الجنوب لتمرير شخصيات جنوبية الانتماء، شمالية المشروع، مما قلّص التمثيل الفعلي للقضية الجنوبية وأبقى القرار بيد الآخرين. ولا يمثّل هذا الطرح إقصاءً للجنوبي الوحدوي، مثلما قد يتراءى للبعض؛ فشراكة «الانتقالي» أُسست لتمثيل المشروع السياسي الجنوبي، وليس لتمثيل الجنوب جغرافيًا. فقد دأبت القوى الشمالية منذ عام 1994 على توظيف الانتماء الجغرافي لضرب الإرادة الجنوبية، عبر تصدير شخصيات جنوبية الهوية، شمالية الهوى، لا وظيفة لها سوى مناكفة تيار الاستقلال وتمرير هيمنة «الهضبة الزيدية» بأيادٍ جنوبية.
وعليه، فلو اعتُمد معيار المشروع السياسي، لدفعت الأحزاب الشمالية بكوادرها، مما سيكشف الدور الوظيفي للجنوبيين فيها. فقوى الشمال لا تسمح بتصدّر شخصيات لا تدين بالولاء لمشروعها. وبذلك أُهدرت فرصة تاريخية لفرز الاصطفافات بوضوح بين مشروع الاستقلال ومشروع الوحدة. وامتدت تداعيات هذا الخلل إلى نوعية النخب الممثلة للمشروع الجنوبي في الحكومة، التي شابها ضعف الكفاءة وشبهات الفساد. وقد هزّت هذه الأخطاء المصداقية ومنحت الخصوم ذخيرة للطعن في القضية، وفاقمها تهميش شريحة واسعة من الكفاءات الجنوبية المخلصة.
وإذا كان ذلك يمثّل النسخة الأولى للاستنزاف، فنحن اليوم أمام نسخة استنزافية جديدة تتصدرها يافطة «التيار السلفي الجنوبي». وهي نسخة تتناسخ فيها الأخطاء: ارتهان وهمي لتأجيل القضية، وانخداع شكلي برفع الأعلام، وتجيير إعلامي مستفز لانتصارات القوات الجنوبية ودمائها لصالح جيش لا أثر له في الميدان. وتكمن خطورة هذه النسخة في زجّ القوات الجنوبية في معارك مجردة من أي مظلة سياسية مؤطّرة بهدف سياسي ناظم، تُخاض في ظل انقسام داخلي يفتقد إلى زخم الإجماع الشعبي الذي وفّرته الضرورة الوجودية في النسخة الأولى.
وتتجلى المفارقة الموجعة في تكرار القوى الشمالية سيناريوهات تسليم مناطقها وترسانتها للحوثي بلا مقاومة، ليوجّهها ضد الجنوب. وهكذا تُترك القوات الجنوبية وحيدة في الميدان. ويكتمل التخادم بتجميد الجبهات الشمالية، ليركز الحوثي ثقله نحو الجنوب ومقاومة تعز. وفي المحصلة، يكرّس هذا النهج معادلة جائرة: فرض الحضور العسكري للجنوب في الميادين، مقابل تغييب الجنوب عن القرار، لتبقى صياغة مستقبله حكرًا على الإقليم وقوى الشمال.
ويبرز اليوم تحول خطير؛ فبعد إدارة المواجهات تحت مظلة وطنية لاستعادة الدولة بقيادة الانتقالي، تُساق اليوم بقيادة سلفية ودفع إعلامي ملحوظ نحو تصوير الصراع على أنه صراع مذهبي وديني. وهذا الانزلاق يجرّد المشروع الجنوبي من محتواه التحرري، ويمنح الحوثي ذريعة لاستنفار العصبية المذهبية لضرب الجنوب. وتأسيسًا على ذلك، يظل التصدي للحوثي واجبًا حتميًا، بما لا يتجاوز حماية الجغرافيا الجنوبية وظهيرها الاستراتيجي. أما التورط في تحرير شمال يخذله أبناؤه، فليس سوى استنزاف عبثي يفوق طاقة الجنوب، في ظل زجّ القوات الجنوبية وسط تربص وتشفٍّ من «الشرعية»، انتظارًا لهزيمتها أو، على أقل تقدير، استنزافها.
إن إحجام «الشرعية» المتعمد عن مواجهة الحوثي يقابله استهداف الأخير منشآت في محافظات الجنوب، من مطاري عدن والريان إلى منشآت أخرى، مع تجنّب استهداف منشآت الشمال، في تخادم صريح يهدف إلى دفع المملكة نحو تسوية تعيد هيمنة «الهضبة» على الجنوب تحت عباءة الوحدة. ومن المستبعد أن تتجه المواجهات الحالية نحو تحرير صنعاء، لاستعصاء هذا الهدف بفعل محددات صارمة؛ فميدانيًا، يتطلب الغطاء الجوي قوات برية، وهو ما تفتقر إليه قوات الشرعية، فضلًا عن عدم ترجيح توغّل القوات الجنوبية في الشمال، باعتباره جغرافيا معادية. وإقليميًا، لا يمكن للشرعية أن تخوض حربًا دون دعم المملكة، وهو ما ستتجنبه الرياض؛ إذ يُعدّ ذلك مغامرة بفتح جبهتين متزامنتين، تحسبًا لارتدادات حرب أمريكية ـ إسرائيلية وشيكة ضد إيران، قد تضع المملكة في دائرة الاستهداف.
وعليه، لن يتجاوز سقف هذه المعارك حدود تحجيم الحوثي وتأمين الملاحة في باب المندب، توطئةً لتسوية سياسية مرتقبة تنسجم مع رغبة الرياض في التفرغ للداخل، وبسط نفوذ كل من دول الإقليم المجاورة على حضرموت والمهرة. وهذا ما لن تعارضه الأطراف اليمنية بشقّيها الشرعي والحوثي، طالما يُبقي على الوحدة اليمنية قائمة لاستمرار نهب مقدرات الجنوب. وما يعزز هذه القراءة تجنّب إعطاء أي وعود بشأن مستقبل الجنوب ما بعد الحرب، وكذلك الاستهداف الإقليمي العنيف للقوات الجنوبية في مطلع هذا العام في حضرموت. وبداهةً، لن تُمرّر هذه التسويات إلا على حساب الجنوب؛ إذ لا تملك الرياض والشرعية أي أوراق تفاوضية سوى الإنجازات الميدانية الجنوبية.









