أنهيتُ قراءة رواية "اعترافات AI حزين"، ووجدتني عاجزة عن كتابة تعليق يفيها حقّها؛ لا لأن الكلمات تنقصني، بل لأن الرواية أخذتني إلى مساحات فكرية وإنسانية واسعة، وجعلتني أطوف مع الكاتب بين أفكارٍ وأسئلةٍ تتجاوز حدود المألوف، وتفتح أبوابًا للتأمّل في الإنسان والوجود والمستقبل وما بعد الموت.

لقد كان حبيب سروري، بحقّ، أشبه بالسندباد؛ غير أنّ سندباد الحكايات كان يطوف أرجاء الأرض بحثًا عن المجهول، أمّا البروفيسور حبيب، فلم يكتفِ بالطواف حول الكرة الأرضية، بل تجاوزها بخياله إلى آفاق المجهول وأسرار الكون، متنقّلًا بين أسئلة التكنولوجيا والفلسفة والوعي، وما يثيره الذكاء الاصطناعي من تساؤلات حول الإنسان ومصيره.

وعلى الرغم من أنّني لست من محبّات أفلام الروبوتات أو قراءة الروايات التي تدور في عوالمها، فإنّني لم أستطع مقاومة فضولي تجاه رواية يكتبها حبيب سروري؛ فقد اعتدت في كتاباته أسلوبًا يجمع بين بساطة الطرح وعمق الفكرة ومتعة السرد.

وقد صدق حدسي منذ السطور الأولى، بل منذ المقدّمة التي استهلّ بها روايته؛ إذ وجدتني أنجذب إلى أحداثها وأفكارها شيئًا فشيئًا، حتى انتهيت منها وأنا أحمل في ذهني أسئلةً كثيرة، ومشاعر يصعب اختزالها في كلمات.

فبعض الكتّاب يأخذونك في رحلة حول العالم، وبعضهم يفتحون أمامك آفاقًا لم تكن تتخيّلها؛ أمّا حبيب سروري، فقد أخذني إلى ما وراء حدود العالم الذي أعرفه، ثم تركني عند الصفحة الأخيرة أحاول استيعاب ما قرأت، وأبحث عن كلمات تليق بما أثارته الرواية في نفسي.

تتداخل في الرواية أسئلة العلم والفلسفة مع هواجس الإنسان الوجودية، ويأخذنا الكاتب إلى تجربة الموت السريري، وإلى ما يسمّيه “مملكة الموتى”، حيث تعود الحسابات الأرضية لتُصفّى، وتتقاطع تصوّرات العالم الآخر مع الأسئلة التي لا يزال الإنسان عاجزًا عن حسمها بشأن الوعي والحياة والموت. ومن خلال هذا التصوّر السردي، يجد القارئ نفسه أمام احتمالات تتجاوز حدود إدراكه، وتدعوه إلى التأمّل في أسرار الوجود وما قد يكمن وراءه.

ولم تغب عن الرواية التحوّلات التكنولوجية والطبية المتسارعة؛ من أنسنة الذكاء الاصطناعي ومنحه ملامح عاطفية، كما في شخصية “ناجي”، إلى التقدّم الطبي وما يتيحه من إمكانات لإطالة عمر الإنسان وإبطاء الشيخوخة. كما تطرّق الكاتب إلى الأخبار الزائفة وسرعة انتشارها، وما تفرضه من ضرورة التحقّق من المصداقية قبل تصديق ما يُنشر أو إعادة تداوله.

ولعلّ أكثر ما أثار دهشتي هو ذلك الاندماج الذي حقّقته الرواية بيني وبين شخصياتها، حتى إنّني وجدتني أقول لنفسي، في لحظة من لحظات القراءة: “من شدّة اندماجي في الرواية، صدّقت أنّ ناجي، الـAI، هو الذي كتبها!”. ولعلّ هذه المفارقة وحدها تكشف جانبًا من قدرة الكاتب على بناء شخصية افتراضية تبدو قادرةً على التفكير والشعور والتعبير، إلى الحدّ الذي يجعل القارئ ينسى، ولو للحظات، أنّه أمام شخصية من صنع الخيال.

غير أنّ الرواية لم تكن تأمّلًا في مستقبل التكنولوجيا وحده؛ فقد حملت في ثناياها حنينًا إنسانيًا عميقًا إلى عدن، المدينة التي تسكن ذاكرة الكاتب ووجدانه، وإلى أمّه التي احتلّت مكانةً مقدّسة في قلبه.

ومن أكثر المقاطع التي لامستني ذلك الذي يستعيد فيه علاقته بأمّه، وكيف استطاع أن يعلّمها القراءة والكتابة، وأن يمحو أميّتها. ثم يأتي الندم موجعًا حين يتذكّر أنّه، رغم أسفاره إلى مختلف بقاع المعمورة، وحرصه على التقاط الصور لكلّ شارع ومنظر يمرّ به، لم يلتقط صورةً تجمعه بأمّه. وكأنّ الإنسان، مهما امتدّت رحلاته واتّسعت تجاربه، قد يكتشف متأخّرًا أنّ بعض اللحظات التي كان ينبغي أن يوثّقها هي تلك التي عاشها ببساطة، إلى جوار أحبّ الناس إلى قلبه.

ويشتدّ هذا الوجع حين يستعيد عدم تمكّنه من تحقيق رغبة أمّه في النزول إلى أسفل العمارة، حيث كانت حفيدتها ليلى تلعب. تفصيلٌ صغير في ظاهره، لكنّه يحمل من الألم ما لا تحمله صفحاتٌ طويلة؛ لأنّ بعض الأمنيات البسيطة تظلّ عالقةً في القلب، لا لصعوبتها، بل لأنّ الزمن يمضي أحيانًا قبل أن نتمكّن من تحقيقها.

هنا، يتجاوز الحنين حدود الذكرى ليصبح تأمّلًا في قيمة الوقت، وفي الأشياء التي نؤجّلها مطمئنين إلى أنّ الفرصة ستبقى متاحة. فكم من رحلةٍ بعيدة قطعناها، وكم من مشهدٍ حرصنا على الاحتفاظ به، بينما غفلنا عن لحظةٍ قريبة كانت تستحقّ أن تبقى معنا إلى الأبد.

لقد وجدتني أمام رواية تجمع بين اتّساع الأسئلة العلمية والفلسفية ودفء الذاكرة الشخصية، بين احتمالات المستقبل وأوجاع الماضي، وبين محاولة فهم أسرار الكون واستعادة تفاصيل إنسانية صغيرة لا يكفّ القلب عن استحضارها.

شكرًا لحبيب سروري على هذه التجربة الفكرية والإنسانية الاستثنائية، وعلى رواية تجاوزت، بالنسبة إليّ، حدود موضوعها، ودفعتني إلى خوض تجربة أدبية لم أكن أتوقّع أن تأخذني إلى هذا المدى من الدهشة والتأمّل. لقد أغلقتُ الكتاب، لكنّ أسئلته بقيت مفتوحة، وكأنّ بعض الروايات لا تنتهي عند الصفحة الأخيرة، بل تبدأ منها رحلةٌ أخرى داخلنا.

  • مقتطفات من الرواية..
أليس "الدماغ العاطفي" في حياة البشر هو من يقود "الدماغ العقلاني" والجسد عمومًا؟"، "لا تبحث عن مكانٍ يناسبك.. بل ابْنهِ! ولا تركض خلف الحقيقة… كنْ أنت المكان الذي تلجأ إليه الحقيقةُ حين تهرب من الضوضاء!".

"إن كان عالمنا الأرضيّ لغزًا لا يستوعبه أحدٌ، فعالَمُ العَدَمِ اللانهائيّ لغزُ الألغازِ قاطبة".. "لماذا يُكرّر بشرُ الأرض الأخطاء نفسَها؟ لماذا يلجؤون إلى العنف على الدوام؟ كيف يُعادُ الخرابُ دومًا انطِلاقًا من خرابٍ جديد؟"، "السعادة هي أن تتحرّرَ من كلّ الصدمات النفسيّة، ومن ثقل الماضي وتروما مصائب الحياة. هي أن تغمرَ من حولكَ بِالحبّ وأن يغمروك بالحبّ؛ أن تعشقَ وتُعشقَ بما لا حدّ له، أن تعيشَ كلّ لحظةٍ راهنةٍ بِشغفٍ وإصغاءٍ وتركيز، كما لو كانتِ العمرَ كلّه".

"الثراءُ والنجاحُ الحقيقيُّ هو أن تكون سيّد وقتك، تُطوِّعه كما تحبّ، تسكُنُهُ مليًّا".