الاثنين, 06 يوليو 2026
95
بعد إعلان وحدة 22 مايو، ظلت الجمهورية اليمنية محكومة بإرث الجمهورية العربية اليمنية، بينما بدا الجنوب كيانًا جرى احتواؤه داخل الدولة القديمة تلك، وليس شريكًا في الدولة الجديدة. وهكذا تحولت فكرة الاندماج المتوازن لبناء دولة مدنية حديثة إلى عملية إلغاء للطرف الآخر.
ورغم زوال الحدود على الأرض، إلا أنها اتسعت تدريجيًا في الوعي والذاكرة، فيما ظل الحكم أسير ثقافة السلطة الموروثة من الجمهورية العربية اليمنية. ومع تغول مراكز النفوذ القبلية والعسكرية، وهيمنة تحالف قوى 7 يوليو على الحياة السياسية، ترسخت مسارات الفشل التي آل إليها مشروع الوحدة.
وعلى المستوى المجتمعي، ظل الاندماج محصوراً في إرث ما قبل الوحدة وفي هوامش الحياة الرسمية، بينما احتفظ كل طرف بهويته وذاكرته التاريخية. و تحولت "وحدة ما بعد 1994" إلى مسار سياسي أحادي يفرض أمرًا واقعًا، على انقاض المشروع الوطني المشترك لبناء هوية جامعة.
وبذلك تبددت الآمال التي صاحبت إعلان الوحدة في إقامة دولة مدنية تقوم على الشراكة الوطنية، والتعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة، لتحل محلها صيغة حكم اتسمت بمزيد من المركزية وإقصاء الآخر.
ولم تنحصر المركزية تلك في مجرد وجود مركز لإدارة الدولة، كما يبسطها البعض، بل كانت قبل كل شيء مركزية في العقل السياسي، وثقافة الهيمنة، والنظرة الفوقية التي حكمت سلوك قطاعات من النخب السياسية والقبلية والدينية. ومن هنا ترسخ وعي تعاملَ مع الوحدة بوصفها ملكية لطرف بعينه، وشعاراً لا يجوز مراجعته، حتى بعدما فقدت مضمونها كشراكة وطنية متكافئة. فالوحدة لا تستمد مشروعيتها من بقائها بالقوة، وإنما من قدرتها على تحقيق أهدافها وصون أسسها، وتغدو قابلة للمراجعة عندما تعجز عن ذلك.
وعندما اندلعت الاحتجاجات التي رافقت ما عُرف بـ"الربيع العربي"، لم تكن أزمة الحكم وليدة تلك اللحظة، وإنما حصيلة تراكمات سياسية وبنيوية قادت إلى تصدع النظام ووصوله إلى طريق مسدود. وفي محاولة لمراجعة مسار 7 يوليو، ارتجل حوار موفنبيك خارطة الأقاليم، بهدف الالتفاف على قضية الجنوب، من خلال تقسيم الهوية الجنوبية إلى شرقية وغربية، وهي مقاربة ما تزال توظف من قبل دول خارجية حتى الآن.
لقد مارست سلطة المرحلة الانتقالية إدارة تجريبية، وكأنها تعيد ترتيب "مكعب روبيك" فكلما حاولت إصلاح وجه أفسدت أوجهًا أخرى، حتى بلغت المتغيرات مرحلة حرجة مع سيطرة أنصار الله على صنعاء ومؤسسات الدولة. وبدا المشهد، بالنسبة لكثيرين، وكأن اليمن الملكي ظل كامنًا تحت رماد اليمن الجمهوري، منتظرًا لحظة عودته في صيغة مختلفة.
واليوم، تتشكل ملامح المرحلة المقبلة وفق تفاهمات خارجية قد تتعامل مع النظام في صنعاء بوصفه الفاعل الأكثر تأثيرًا في إعادة ترتيب المشهد اليمني، أكثر مما تعكس تطلعات المجتمع، وهي معادلة تحمل في داخلها عوامل دورة جديدة من الصراع.
ولعل المفارقة أن أي تسوية تعيد إنتاج مسار 7 يوليو، وتمنح الغلبة للأقوى بدلًا من معالجة جذور أزمة الوحدة، لن تكون سوى محطة مؤقتة. فالأزمات التي نشأت بفعل اختلالات التاريخ لا تُحل بتكرار الصيغ التي أنتجتها، وإنما بالاعتراف بها، وترك تقرير مستقبلها لأصحابها ضمن عملية سياسية عادلة. وإلى أن يحدث ذلك، ستظل العناوين تتبدل، فيما تبقى الأزمة ذاتها.