الاثنين, 06 يوليو 2026
105
منذ فجر التاريخ، كانت عدن ملتقى الأمم ومهدًا للحوار الإنساني. ميناؤها العميق جعلها قبلة للتجارة، ومحطة للسفن، وجسرًا استراتيجيًا يربط الشرق بالغرب. سياسيًا، احتضنت أهم المحطات وأثيرت فيها القضايا المصيرية، بينما كان تنوعها الثقافي لوحة للتسامح، مما منحها قدسية استراتيجية ووقعًا سياسيًا لا يضاهى.
لكن، وفي تناقض صارخ، تعرضت عدن لإهمال جائر طمس معالم مجدها، وتجاهل أدوارها الريادية. الموانئ تتعطل اليوم، والبنية التحتية تنهار، والكهرباء تنقطع، والمياه تشح، بينما يذوي صوتها الثقافي ويتوارى دورها السياسي، وكأن سكانها الأوفياء غرباء عن تاريخهم ومستقبل مدينتهم، في مشهد قاتم يعكس غياب الإرادة واستمرار التهميش والإقصاء.
ومن هذا المنطلق الملح، فإن المطالبة بحق عدن الشرعي والقانوني والإنساني هو واجب وطني مقدس لا يحتمل التأجيل ولا يقبل التبرير. إعادة الاعتبار لهذه المدينة العريقة لا تكون إلا من خلال الإشراك الفاعل والحقيقي لأبنائها المخلصين، أولئك الذين استقوا كبرياءهم وصلابتهم من معينها العذب، في كل مناحي الحياة. يجب أن يكون لهم كلمة عليا في صناعة القرار السياسي المصيري، وإدارة الموانئ الحيوية، وتطوير المناهج التعليمية، وإعادة هيكلة الاقتصاد المنهار، وتمكين كفاءاتهم وخبراتهم العلمية، فلا مستقبل يذكر لعدن دون أن يرسمه أبناؤها بأيديهم، ويخططوا لنهضتها الشاملة بعقولهم وقلوبهم النابضة بالولاء.
إن إنصاف عدن هو إنصاف للأمة بأكملها، وردٌ حقيقي للاعتبار لكل عدني حلم بالحرية والكرامة. إنه نداء من قلب التاريخ، وصرخة ضمير إنساني عميق، ومدعاة جادة لليقظة، تطال كل صانع قرار حقيقي بأن ينظر إلى عدن بعين الإنصاف والعدل، ويمد لها يد العون الفعلي، ويشارك أهلها الأوفياء في بناء غدٍ مشرق ومزدهر، لتعود منارة للعلم، وميناء للسلام، وحافظة أصيلة للهوية العدنية، متجاوزة جراح الماضي نحو فجر يليق بمكانتها وتاريخها العريق.