هل أصبحت لقمة عيش المواطن وقطرة مائه ونور بيته وثمن دوائه بنودًا في أجندات التفاوض والمساومات السياسية؟
إن الواقع المرير يثبت أن استخدام متطلبات الحياة الأساسية للبشر كأداة للابتزاز والضغط في الخلافات والصراعات السياسية قد تحول إلى سلوك ممنهج يتجاوز كل الخطوط الحمراء.
هذا التسييس الفج لحياة الناس اليومية لا يمثل فقط قمة الإفلاس الأخلاقي لأطراف الصراع بل هو عدوان مباشر على حق الإنسان في الحياة وجريمة مكتملة الأركان ترتكب بدم بارد ضد مجتمعات بأكملها.
حينما تربط الخدمات الحيوية بمدى تحقيق المكاسب السياسية أو العسكرية ويجرد المواطن البسيط من صفة (صاحب الحق) ليساق كـ(رهينة) مستغلة إلى حلقات التفاوض والمساومة. إن قطع شريان المياه أو إغراق المدن في ظلام دامس عبر قطع الكهرباء والمياه ورفع أسعار الدواء ليصعب وصوله للمريض وتضييق الخناق على الموظفين وأسرهم واحتجاز رواتبهم الدونية ليس مجرد قصور خدمي بل هو فساد و إرهاب معيشي وإفلاس أخلاقي وسياسي متكامل الأركان.
إن هذا السلوك الساقط قيميًا يتجاوز الخصومة السياسية ليمارس(العقاب الجماعي في أسوأ وأبشع صوره وانتهاكاته)، حيث تحاصر مجتمعات بأكملها بأطفالها ونسائها وعجزتها ونازحيها وتجبر على دفع أثمان باهظة لخلافات لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
إنها عملية تجويع وإفقار وإنهاك ممنهجة تدار بدم بارد لتوليد مكاسب سياسية آنية ورخيصة متعمدة على سحق البنية المجتمعية والحقوق الإنسانية وتدمير الصحة العامة وتندد بكارثة إنسانية تؤسس لدمار مستقبلي لا يمكن تداركه.
لم يترك القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان مساحة للبس في هذا الشأن فالمواثيق الدولية ولا سيما اتفاقيات جنيف الأربع وبروتوكولاتها الإضافية تحظر حظرًا قاطعًا استخدام تجويع المدنيين وانتهاكات حقوقهم الإنسانية المعيشية والخدمية.
كما تحظر تدمير أو تعطيل الأعيان والمرافق الضرورية لبقاء السكان على قيد الحياة.
أيضا يجرم نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية تعمد توجيه الأضرار ضد المواقع المدنية والخدمية.
إن هذه الانتهاكات عندما ترتكب بشكل واسع النطاق أو بأساليب ممنهجة ضد سكان مدنيين ترقى إلى مصاف الجرائم ضد الإنسانية والميزة الأساسية لهذه الجرائم في القانون الدولي أنها لا تسقط بالتقادم، فلا مرور السنين يمحوها ولا الاتفاقيات السياسية أو صفقات الحصانة المؤقتة يمكنها أن تحمي مرتكبيها من الملاحقة القضائية والقانونية والجنائية في المستقبل.
إن خطورة هذا الابتزاز لا تقف عند حدود المعاناة الآنية واليومية للمواطنين، بل تدفع بالمواطن إلى كفر مطلق بكل مشروع سياسي مستقبلي ويهدم قيم المواطنة والعيش المشترك.
إن أي تسوية سياسية تبنى على أشلاء الحقوق المنهوبة وتجويع الناس هي سلام زائف ومشوه وهش محكوم عليه بالانهيار قبل أن يجف حبره، لا يمكن التأسيس عليه لاستقرار حقيقي أو مستدام ما لم يرد الاعتبار للناس أولًا وتنزع لقمة عيشهم وكرامتهم من مربعات الابتزاز لتكون أساس البناء لا موضوع المساومة، فعندما تصبح لقمة عيش المواطن وسيلة للمساومة، تسقط الشعارات السياسية البراقة، وتتحول العملية السياسية في نظر المجتمع إلى مجرد أدوات بطش وهيمنة.
أمام هذا الواقع المرير تبرز المسؤولية الأخلاقية والمهنية الملقاة على عاتق قوى المجتمع المدني والمنظمات المجتمعية والحقوقية والنشطاء والمثقفين..
إن الدور الأساسي اليوم يكمن في رصد كل الانتهاكات التي تطال الخدمات ومعيشة الناس وتوثيقها وفق المعايير القانونية الدولية، لتكون جاهزة للمساءلة الجنائية مهما طال الزمن.
ورفع الصوت ورفض التسييس في إقحام ملفات الخدمات والمرتبات والحقوق الحياتية في الصراعات واعتبارها خطوطًا حمراء لا تقبل المساومة والضغط على المجتمع الدولي والمنظمات الدولية والأممية للخروج من مربع القلق والإدانة إلى مربع اتخاذ إجراءات صارمة ورادعة ضد كل من يستخدم معيشة الشعوب كأداة حرب.
ختامها مسك..
إن حقوق الناس في الحياة والعيش الكريم ليست منحة من أحد ولا هي هبة تتغير بتغير موازين القوى السياسية أو العسكرية بل هي حقوق أصيلة متجذرة في كرامة الإنسان، إن الرهان على إخضاع الشعوب عبر تجويعها أو حرمانها من أبسط مقومات الحياة هو رهان خاسر تاريخيًا فالشعوب قد تصبر على المعاناة ولكنها لا تنسى من تلاعب بقوت أطفالها وحاصرها في عيشها.
ونختم هنا بما استقر في ضمير العدالة الإنسانية: إن الحقوق اللصيقة بالإنسان لا تموت بموت أصحابها، والجرائم التي تطال لقمة عيش الشعوب وكرامتها هي جرائم ضد الإنسانية.. لا تسقط بمضي المدة ولا يحمي مرتكبيها عفو أو حصانة وستبقى العدالة وإن تأنت بالمرصاد لكل من ظن أن سلطته تحميه من حتمية الحساب فالتاريخ لم يرحم يومًا من جعل من أوجاع المدنيين جسرًا لمكاسبه السياسية.
* المديرة التنفيذية لمركز اليمن لدراسات حقوق الإنسان/عدن
إن الواقع المرير يثبت أن استخدام متطلبات الحياة الأساسية للبشر كأداة للابتزاز والضغط في الخلافات والصراعات السياسية قد تحول إلى سلوك ممنهج يتجاوز كل الخطوط الحمراء.
هذا التسييس الفج لحياة الناس اليومية لا يمثل فقط قمة الإفلاس الأخلاقي لأطراف الصراع بل هو عدوان مباشر على حق الإنسان في الحياة وجريمة مكتملة الأركان ترتكب بدم بارد ضد مجتمعات بأكملها.
حينما تربط الخدمات الحيوية بمدى تحقيق المكاسب السياسية أو العسكرية ويجرد المواطن البسيط من صفة (صاحب الحق) ليساق كـ(رهينة) مستغلة إلى حلقات التفاوض والمساومة. إن قطع شريان المياه أو إغراق المدن في ظلام دامس عبر قطع الكهرباء والمياه ورفع أسعار الدواء ليصعب وصوله للمريض وتضييق الخناق على الموظفين وأسرهم واحتجاز رواتبهم الدونية ليس مجرد قصور خدمي بل هو فساد و إرهاب معيشي وإفلاس أخلاقي وسياسي متكامل الأركان.
إن هذا السلوك الساقط قيميًا يتجاوز الخصومة السياسية ليمارس(العقاب الجماعي في أسوأ وأبشع صوره وانتهاكاته)، حيث تحاصر مجتمعات بأكملها بأطفالها ونسائها وعجزتها ونازحيها وتجبر على دفع أثمان باهظة لخلافات لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
إنها عملية تجويع وإفقار وإنهاك ممنهجة تدار بدم بارد لتوليد مكاسب سياسية آنية ورخيصة متعمدة على سحق البنية المجتمعية والحقوق الإنسانية وتدمير الصحة العامة وتندد بكارثة إنسانية تؤسس لدمار مستقبلي لا يمكن تداركه.
لم يترك القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان مساحة للبس في هذا الشأن فالمواثيق الدولية ولا سيما اتفاقيات جنيف الأربع وبروتوكولاتها الإضافية تحظر حظرًا قاطعًا استخدام تجويع المدنيين وانتهاكات حقوقهم الإنسانية المعيشية والخدمية.
كما تحظر تدمير أو تعطيل الأعيان والمرافق الضرورية لبقاء السكان على قيد الحياة.
أيضا يجرم نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية تعمد توجيه الأضرار ضد المواقع المدنية والخدمية.
إن هذه الانتهاكات عندما ترتكب بشكل واسع النطاق أو بأساليب ممنهجة ضد سكان مدنيين ترقى إلى مصاف الجرائم ضد الإنسانية والميزة الأساسية لهذه الجرائم في القانون الدولي أنها لا تسقط بالتقادم، فلا مرور السنين يمحوها ولا الاتفاقيات السياسية أو صفقات الحصانة المؤقتة يمكنها أن تحمي مرتكبيها من الملاحقة القضائية والقانونية والجنائية في المستقبل.
إن خطورة هذا الابتزاز لا تقف عند حدود المعاناة الآنية واليومية للمواطنين، بل تدفع بالمواطن إلى كفر مطلق بكل مشروع سياسي مستقبلي ويهدم قيم المواطنة والعيش المشترك.
إن أي تسوية سياسية تبنى على أشلاء الحقوق المنهوبة وتجويع الناس هي سلام زائف ومشوه وهش محكوم عليه بالانهيار قبل أن يجف حبره، لا يمكن التأسيس عليه لاستقرار حقيقي أو مستدام ما لم يرد الاعتبار للناس أولًا وتنزع لقمة عيشهم وكرامتهم من مربعات الابتزاز لتكون أساس البناء لا موضوع المساومة، فعندما تصبح لقمة عيش المواطن وسيلة للمساومة، تسقط الشعارات السياسية البراقة، وتتحول العملية السياسية في نظر المجتمع إلى مجرد أدوات بطش وهيمنة.
أمام هذا الواقع المرير تبرز المسؤولية الأخلاقية والمهنية الملقاة على عاتق قوى المجتمع المدني والمنظمات المجتمعية والحقوقية والنشطاء والمثقفين..
إن الدور الأساسي اليوم يكمن في رصد كل الانتهاكات التي تطال الخدمات ومعيشة الناس وتوثيقها وفق المعايير القانونية الدولية، لتكون جاهزة للمساءلة الجنائية مهما طال الزمن.
ورفع الصوت ورفض التسييس في إقحام ملفات الخدمات والمرتبات والحقوق الحياتية في الصراعات واعتبارها خطوطًا حمراء لا تقبل المساومة والضغط على المجتمع الدولي والمنظمات الدولية والأممية للخروج من مربع القلق والإدانة إلى مربع اتخاذ إجراءات صارمة ورادعة ضد كل من يستخدم معيشة الشعوب كأداة حرب.
ختامها مسك..
إن حقوق الناس في الحياة والعيش الكريم ليست منحة من أحد ولا هي هبة تتغير بتغير موازين القوى السياسية أو العسكرية بل هي حقوق أصيلة متجذرة في كرامة الإنسان، إن الرهان على إخضاع الشعوب عبر تجويعها أو حرمانها من أبسط مقومات الحياة هو رهان خاسر تاريخيًا فالشعوب قد تصبر على المعاناة ولكنها لا تنسى من تلاعب بقوت أطفالها وحاصرها في عيشها.
ونختم هنا بما استقر في ضمير العدالة الإنسانية: إن الحقوق اللصيقة بالإنسان لا تموت بموت أصحابها، والجرائم التي تطال لقمة عيش الشعوب وكرامتها هي جرائم ضد الإنسانية.. لا تسقط بمضي المدة ولا يحمي مرتكبيها عفو أو حصانة وستبقى العدالة وإن تأنت بالمرصاد لكل من ظن أن سلطته تحميه من حتمية الحساب فالتاريخ لم يرحم يومًا من جعل من أوجاع المدنيين جسرًا لمكاسبه السياسية.
* المديرة التنفيذية لمركز اليمن لدراسات حقوق الإنسان/عدن














