أخر تحديث للموقع
الأربعاء, 08 يوليو 2026 - 12:52 ص بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • لا سلام بجناحٍ واحد

    إلهام محمد زارعي




    حين ينظر الإنسان إلى الطائر وهو يحلّق، لا يسأل أيَّ جناحيه أقوى، لأن كليهما يعملان في انسجام. ولو اختل أحدهما، لما استطاع الطائر أن يرتفع مهما بلغت قوة الجناح الآخر.

    والمجتمع لا يختلف عن ذلك؛ فالسلام لا يصنعه الرجال وحدهم، ولا النساء وحدهن، بل يولد عندما تتحول العلاقة بينهما من منافسة إلى شراكة، ومن مطالبة بالحقوق إلى تعاون في أداء المسؤوليات، ومن البحث عن الغلبة إلى السعي المشترك لرفعة الإنسان.

    إن السلام الحقيقي لا يبدأ عند توقيع الاتفاقيات، بل يبدأ عندما يتعلم طفل في بيته معنى الاحترام، وعندما يرى والديه يتشاوران بمحبة، ويتقاسمان مسؤولية الأسرة، ويختلفان بأدب، ويتفقان على خدمة الآخرين. ففي تلك اللحظات الصامتة تتشكل ملامح المجتمع القادم. ولذلك فإن بناء السلام يبدأ قبل أن يصبح مشروعًا سياسيًا؛ إنه مشروع تربوي وأخلاقي وروحي. يبدأ من الأسرة، ثم المدرسة، ثم الحي، ثم يمتد إلى كل مؤسسة في المجتمع. ولعل أعظم ما يحتاجه عالمنا اليوم ليس أن نرفع عدد المشاركين في المؤتمرات، بل أن نرفع عدد المشاركين في خدمة المجتمع. فكل مشروع يجمع الرجال والنساء، والشباب والكبار، على هدف نافع، يهدم جدارًا من جدران الفرقة، ويبني جسرًا جديدًا من الثقة.

    إن المرأة لا تُضيف إلى السلام لأنها امرأة، والرجل لا يُضيف لأنه رجل، بل لأن كليهما يحملان مواهب وهبات أودعها الله في الإنسان لخدمة البشرية. وحين تتكامل هذه المواهب، يصبح المجتمع أكثر قدرة على الإنصاف، وأكثر حكمة في اتخاذ القرار، وأكثر رحمة في معالجة الجراح ، والأجمل من هذا كله أن الروح لا جنس لها، لذا أرواحنا تتوق للخدمة والعطاء دون إقصاء أو تهميش. فمستقبل المجتمعات لن تصنعه الأصوات المرتفعة أو النعرات الذكورية بل القلوب المتعاونة. ولن يبنيه من يسأل: "من يستحق المكان؟"، بل من يسأل: "كيف نوسّع المكان للجميع؟".

    فالسلام ليس انتصار طرف على آخر، بل انتصار الإنسان على التعصب، وانتصار التعاون على الانقسام، وانتصار الخدمة على الأنانية.

    دعونا نفكر معًا ونحلل هذا السؤال: هل يمكن لمجتمعٍ أن يبني سلامًا مستدامًا وهو يترك نصف طاقته الإنسانية خارج دائرة التفكير وصناعة القرار؟

    إن القضية ليست قضية"مقاعد" ولا "حصص"، وليست منافسة بين الرجل والمرأة. فالسلام لا يُبنى بمن ينتصر داخل غرفة المفاوضات، بل بمن يجمع القلوب خارجها. وعندما تُستبعد المرأة، لا يخسر النساء وحدهن، بل يخسر المجتمع خبرةً تراكمت عبر التربية، ورعاية الأسرة، وإصلاح العلاقات، واحتواء الأزمات، وبناء الإنسان منذ طفولته.

    وحين يؤمن الرجل والمرأة بأنهما جناحان لطائر واحد، لن يكون السلام حلمًا مؤجلًا، بل واقعًا يبدأ من كل بيت، وينمو في كل حي، حتى يصبح ثقافةً يعيشها الناس، لا شعارًا يرفعونه.. ودمتم سالمين.

المزيد من مقالات (إلهام محمد زارعي)

  • Phone:+967-02-255170

    صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
    كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

    Email: [email protected]

    ابق على اتصال