الاثنين, 20 يوليو 2026
197
هكذا أيقظت حرب مضيق هرمز، التي تشكّلت جوهرًا من صفحات تسوية الحسابات بين متعهدي تدوير خرائط الصراع، وفق أبجدية أبدية من قاموس من بيده مفاتيح النصر المبين للعهد الجديد؛ عهد نتنياهو وترامب، تحت مظلة "أمريكا أولًا"، وتحت أمرتها تنطوي بقية المظلات، مؤدية فروض الطاعة لثنائي نكبة الكون: نتنياهو وترامب. فالكون لم يعد يتسع للاعبين جدد، و"أمريكا أولًا" و"إسرائيل الكبرى" تمدان أجنحة بساط الريح على منطقة الثروة والنفط والغاز، ولعبة الإبراهيمية.
وقد كان ما كان من غزو إيران، عبر مسلسل لاس فيغاس الممل والقاتل لأوضاع العالم، فلا ساحة تهدأ، ولا سلاسل إمداد تستقيم، ولا أسواق نفط وغاز تستقر. إنها إذًا الحرب المقدسة، تُشن من اتجاهين: الاتجاه الصهيوني الأمريكي، واتجاه النار المقدسة التي تحمل شعلتها دولة الملالي.
هكذا أدار نتنياهو العالم خلال الأشهر الستة الماضية، والآتي ألعن، وتأتي ثالثة الأثافي لتلقي بجحيم نيرانها، فتحرق ما تبقى من أغصان شجيرات لم تحرقها بعد الحرب التي دارت رحاها في بلادنا طيلة الأحد عشر عامًا الماضية، ولم يجنِ منها اليمن وشعبه، شمالًا وجنوبًا، غير الدمار والتشتت والانهيار الكلي سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا.
وإذا ببرنامج الإنقاذ يأتي على غير هوى البلاد وشعبها الباحث عن:
دولة مواطنة حقيقية يفتقد وجودها.
استعادة سيادة صودرت مفاتيحها بيد الغير.
ملامح مشروع وطني متكامل الأركان سياسيًا واقتصاديًا، تتوافق عليه الإرادات الوطنية.
لكن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن: عن أي إرادة وطنية تتحدث يا هذا؟ وقد تفرق الجمع، وتمزقت أواصر اللحمة الوطنية، وبات الوطن مبعثرًا منذ الانقلاب الذي صادر، في لحظة فارقة، كيان الدولة المتعب. وأقصد هنا انقلاب أنصار الله على ما توافق عليه الجمع الوطني غداة مؤتمر الحوار، وشاركه في الجرم من تواطأ وقبض الثمن.
اليوم، والبلد منهك حتى الثمالة؛ جماعة في صنعاء لها قداسها الخاص وطقوسها التي تؤدى حسب إشارات ولي الفقيه في طهران، وجماعة معلق أمرها لدى فاتح أبواب إقامتها الدائمة خارج أرض الوطن المنهك المبعثر.
وبين جناحي بلقيس الممزق ريشهما بين طهران والرياض، ودهاليز أمم متحدة عجوز، ولجنة رباعية تنطبق عليها مقولة:"حسابات الحقل لا تتطابق مع حسابات البيدر"، وبين هذا الغث كله، لا تخلو خارطة أزمة بلادنا اليمن من جدارية ثنائي إخوة التحالف، التي أوصلتنا بخلافاتها ومنهجية أنانية مصالحها المتعارضة داخل بلادنا إلى ما نحن فيه، ولا نزال نكتوي بنارها، حتى بعد احتراق مركب الإمارات والانتقالي، لكن ما تزال شظاياه مشتعلة هنا وهناك، خاصة مع تضعضع أوضاع الشرعية التي تضعفها تباينات شتى، للأسف الشديد.
ضمن هذه اللوحة الملتهبة، القابلة للاشتعال لتحرق ما تبقى من زرع لم يحترق في بلادنا، تمد طهران ألسنة نيرانها بين هرمز وباب المندب، ليلج اليمن السعيد أتون الحرب بما تبقى له من جسد هزيل، وكأن ساكنيه ينتظرون خارطة حل سياسي شامل، نأمل ألا تكون على غرار ما لحق بجثمان الراحل محمد قحطان، بل نريدها على شاكلة مشروع لخارطة حل سياسي متكامل عبر مراحل انتقالية تبدأ بطي ملف الحرب، والتمهيد لمعالجة كافة الملفات الأكثر تعقيدًا، بدءًا من التفاهم وطنيًا على ضرورة وجود كيان وطني، دولة تضم شمل الجميع.
لكننا نفاجأ بأن ما أتى وأطل جاء مخيبًا للآمال، حاملًا عنوان افتعال أزمة مطار صنعاء، والقول الأكيد: إن الأمر ليس أزمة مطار صنعاء، بل أزمة وطن مغلق بالأغلال، تتنازعه رغبات شتى ما أنزل الله بها من سلطان.
أيها السادة: إن المطار جزء من أزمة وطن، وحلها يكتمل بالتوجه وطنيًا لتبني مشروع وطني يقوم ويستند إلى ضرورة الإيمان بالمبادئ الآتية:
استعادة الدولة عبر مشروع وطني، والكل يدرك ما هي عناصر هذا المشروع، ولا تفرد فيه لقوة بعينها مهما كانت.
الوطن ملك لجميع أبنائه، وتكون حرية انتقال وتنقل أبنائه متاحة دونما قيود.
الأشقاء وباقي العالم عوامل مساعدة، ولهم مع بلادنا مصالح مشتركة يكيفها مشروع وطني متوافق عليه.
لم يعد مجديًا ولا نافعًا للبلد وشعبه دق طبول الحرب وإعمال مبدأ التحدي.
إن وضع بلادنا يستدعي من أهل الحل والعقد التفكير مليًا؛ فشعب يُقتل، وواقع يتشرذم، وموارد تُنهب وتُسلب، وما يلوح في الإقليم من معارك تُقاد إليها بلادنا لا مصلحة لنا فيها. فما يجري من معارك كونية تستهدف إعادة رسم خرائط الجغرافيا والمصالح على مستوى العالم والجزيرة والخليج، ضمن منولوج الحرب الإيرانية الأمريكية الصهيونية، له مساقاته الكونية، ونحن الطرف الخاسر إن لم نحسن قراءة ما يُخطط للمزيد من تدمير ما تبقى من جسد بلد منهك وممزق.
وهنا نقول: هل آن للعقلاء أن يبقوا عقلاء، وأن يوأدوا فتنة أشد وأعتى مما سبق؟
وهنا أطرح العناوين التالية لخارطة طريق لا بد منها:
هناك ضرورة تاريخية ومستقبلية للاهتمام والتبني لما يُطرح من أفكار ومبادرات تقدم بها كل من الأخ الرئيس علي ناصر محمد، وكذلك الرؤية التي طرحها الأستاذ يحيى حسين العرشي، وما سبق أن طرحته ورقة أعضاء لجنة السلام عبر الأخ العزيز عبدالباري طاهر وآخرين.
إلى جانب ما بات يُطرح في مدينة عدن من أفكار حول تبني خيار الدولة الاتحادية، مع التأكيد بشكل قاطع أن محور حل القضية الجنوبية بشكل أساسي يشكل مفتاح النجاح للخروج مما تمر به بلادنا.
إذًا، فإن أزمة مطار صنعاء هي نفسها أزمة الرواتب، وأزمة الكهرباء، وأزمة كل العناوين. فالمسألة أبعد وأعمق وأشمل من أزمة مطار صنعاء؛ إنها أزمة بلد وشعب طال أمد انتظار حلها، حلًا توافقيًا وطنيًا شمالًا وجنوبًا.
عدا ذلك، فهو تدليس وضحك على الذقون، وهو أمر لا نريده في هذه اللحظة الأخطر من تاريخ بلادنا المشتت أمرها.